الأمن القومي السوداني في مواجهة خطاب استدعاء الخارج – قراءة في مقال الناشط/ خالد سلك والموجه إلى واشنطن
الأمن القومي السوداني في مواجهة خطاب استدعاء الخارج !
– قراءة في مقال الناشط/ خالد سلك والموجه إلى واشنطن
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
تُعد كتابة النشطاء
والسياسيين المعارضين الموجهة إلى الخارج ، وبخاصة عندما تخاطب مراكز صنع القرار في الدول الكبرى ، مسؤولية تتجاوز حدود الموقف الحزبي أو الصراع الداخلي .
فالكلمة في السياسة الدولية ليست مجرد رأي ، بل قد تصبح جزءاً من البيئة التي تتشكل فيها التصورات والقرارات ، ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند مقال الناشط المعارض خالد عمر يوسف المنشور في صحيفة Washington Examiner ، ليس من زاوية رفض حقه في النقد أو المعارضة ، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بحدود المسؤولية الوطنية عند مخاطبة الخارج في ظل حرب تهدد وجود الدولة السودانية ومستقبلها .
ينطلق المقال من أطروحة مفادها أن السودان يواجه خطراً يتجاوز الحرب الداخلية المدعومة من الخارج ، وأن استمرار الوضع الحالي قد يحول البلاد إلى مصدر تهديد للأمن “الأمريكي” بسبب ثلاثة عناصر مترابطة ، بحسب رؤية الكاتب : استخدام الأسلحة الكيميائية ، وتصاعد نفوذ الإسلاميين ، وتنامي العلاقة مع إيران !
ومن ثم يدعو
الولايات المتحدة إلى تحرك أكثر حزماً للضغط من أجل وقف الحرب والعودة إلى مسار مدني .
ولا شك أن حماية المدنيين ، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ، واستعادة الحكم المدني ، كلها أهداف مشروعة يتفق عليها السودانيون .
كما أن أي ادعاءات باستخدام أسلحة محرمة أو ارتكاب جرائم حرب يجب أن تخضع لتحقيق مستقل وشفاف ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاتهامات إلى أوصاف نهائية وأحكام ، وعندما تنتقل الخصومة مع قيادة أو تيار سياسي إلى إعادة تعريف مؤسسة وطنية كاملة باعتبارها جزءاً من مشروع “إرهابي” أو وكيل لقوة خارجية !
فوجود عناصر ذات خلفيات إسلامية داخل الجيش ، أو وجود تعاون عسكري مع إيران ، لا يكفي وحده لإثبات أن المؤسسة العسكرية بأكملها أصبحت امتداداً لتنظيم سياسي أو دولة أجنبية .
فهناك فرق جوهري بين وجود أفراد أو تيارات داخل مؤسسة ، وبين السيطرة الكاملة عليها ، وبين تحولها إلى أداة لمشروع خارجي .
وهذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة مستقلة لا إلى الربط بين وقائع متفرقة ثم تقديم النتيجة باعتبارها حقيقة مكتملة .
وينطبق الأمر نفسه على قضية الأسلحة الكيميائية ، فهي قضية بالغة الخطورة ولا يجوز التهاون معها ، لكن في القانون الدولي هناك فرق بين وجود اتهام أو قرار سياسي صادر عن دولة ، وبين ثبوت المسؤولية النهائية بعد تحقيق فني مستقل يحدد الوقائع والأشخاص والوحدات وسلسلة الأوامر .
ولذلك فإن تحويل اتهام خطير إلى وصف ثابت لجيش كامل يمثل قفزة تتجاوز ما تسمح به المعايير القانونية والأخلاقية .
ج 2
الأمر الأكثر أهمية هو أن المقال يستخدم مفردات شديدة الحساسية والخطورة في العقل السياسي الأمريكي : الإرهاب ، والأسلحة الكيميائية ، وإيران ، وأمن البحر الأحمر ، وتجربة أسامة بن لادن .
وهذه المفردات ليست مجرد أوصاف إعلامية ، بل تحمل تحريضا استراتيجياً كبيراً ، لأنها قد تنقل النقاش من البحث عن حل سياسي لحرب داخلية إلى التعامل مع السودان باعتباره مصدراً محتملاً لتهديد أمني دولي .
وهنا تبرز خطورة خطاب الاستدعاء الخارجي ، فمعارضة الحكومة أو الجيش أو أي تيار سياسي حق مشروع ، لكن هناك فرقاً بين مطالبة المجتمع الدولي بالمساعدة في وقف الحرب وحماية المدنيين ، وبين تقديم الدولة نفسها قربانا باعتبارها خطراً يستوجب العزل أو العقوبات أو التدخل .
فالدول الكبرى لا تتحرك فقط بدافع التعاطف مع الشعوب ، وإنما وفق حسابات مصالحها وأمنها القومي ، وما يُقدم اليوم كوسيلة للضغط على خصم سياسي قد يتحول غداً إلى سياسة طويلة الأمد تجاه الدولة كلها .
والسودان لديه تجارب مريرة في هذا المجال ، فقد عاش سنوات من العقوبات والعزلة الدولية ، وشهد ضرب منشآت داخل أراضيه مثل مصنع الشفاء عام 1998م ومجمع اليرموك عام 2012م ، وهي أحداث ارتبطت بوشايات من معارضين سياسيين خانوا بلادهم وعادوا اليها ظافرين دون حساب أو عقاب لينالوا حظا من قسمة السلطة والثروة وهم يفتخرون بما اقترفوا وكأنهم قدموا خدمة للوطن الجريح ومازال العرض مستمرا دون حسيب !
كما يعيش اليوم حرباً تتداخل فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية ، مع شواهد واسعة بوجود دعم خارجي بالمال والسلاح والمقاتلين بهدف هزيمة الجيش واخضاع الدولة .
وكل ذلك يؤكد أن صورة الدولة في الخارج ليست قضية إعلامية هامشية ، بل جزء من أمنها القومي ومصالح شعبها .
ومن المهم هنا التأكيد أن مسؤولية الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في عامل واحد ، وأن أي تحليل جاد يجب أن يتناول كل العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في اندلاع الحرب واستمرارها واستحالتها الي عدوان خارجي إقليمي الأبعاد والمدي .
فالتعامل الانتقائي مع المشهد ، والتركيز على جهة واحدة مع تجاهل بقية عناصر الصراع عمدا ، لا يساعد على الوصول إلى سلام حقيقي .
إن حالة مقال خالد عمر يوسف تستحق أن تُدرس باعتبارها نموذجاً أوسع في الحياة السياسية السودانية : كيف يمكن أن تتحول الخلافات الداخلية ، في لحظات الأزمات ، إلى خطابات تخاطب الخارج بلغة الأمن القومي للدول الكبرى ؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه الخطابات في صورة الدولة ومكانتها الدولية ؟
وهنا تظهر الحاجة إلى مفهوم أكثر نضجاً للأمن القومي السوداني ، لا يقتصر على حماية الحدود والمؤسسات العسكرية ، بل يشمل أيضاً حماية صورة السودان وروايته في العالم .
فالدول الحديثة تدرك أن السمعة الدولية ، والمعلومات ، والسرديات السياسية ، أصبحت جزءاً من عناصر القوة الوطنية.
ولا يعني ذلك بأي حال إسكات المعارضة أو منع النقد أو حماية أي مسؤول من المساءلة ، بل على العكس، فإن الدولة القوية هي التي تسمح بالنقد وتحاسب المخطئين ، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي التمييز بين معارضة الحكومة ومعارضة الدولة والوطن ، وبين محاسبة الأشخاص وتشويه صورة الوطن .
فالحكومات تتغير ، والقيادات تزول ، والتيارات السياسية تصعد وتهبط ، أما الدولة فهي الإطار الذي يبقى لجميع أبنائها ، ولذلك فإن أي خطاب سياسي ، مهما كانت دوافعه ، ينبغي أن يضع في اعتباره أن إضعاف صورة السودان في الخارج لن يضر خصماً سياسياً واحداً ، بل قد يلحق الضرر بالمواطن ، والاقتصاد، والاستثمار ، والعلاقات الخارجية ، والأجيال القادمة .
إن السودان يحتاج اليوم إلى معارضة وطنية ، وحكومة مسؤولة تحاسب وتقبل المحاسبة ، وجيش واحد يحتكر القوة ، ومؤسسات قوية ، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى اتفاق على قاعدة أساسية : أن الصراع على السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الوطن وخيانة ترابه وشعبه ، وأن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن أداء أي حكومة ، كما أن معارضة أي حكومة لا ينبغي أن تعني تقديم الدولة نفسها قربانا باعتبارها تهديداً للعالم .
تلك هي القضية الأعمق التي تطرحها هذه الحالة : كيف نوازن بين حق الاختلاف السياسي وواجب الحفاظ على المصالح العليا للدولة وسيادتها وأمنها الوطني والقومي ؟
والإجابة تبدأ بإدراك أن الوطن أكبر من الحكومات والأحزاب والأشخاص ، وأن مسؤولية الجميع هي أن يتركوا للسودان مستقبلاً لا عبئاً جديداً من الأزمات التي يصعب تجاوزها.
