السلام المستدام… الخيار الاستراتيجي لبناء الدولة السودانية
الباشمهندس نهيض محمد نهيض صالح
شهد السودان خلال العقود الماضية سلسلة من الحروب والنزاعات المسلحة، بدءاً من حرب جنوب السودان، مروراً بحروب دارفور وغيرها من مناطق الهامش، وصولاً إلى الحرب الدائرة منذ عام 2023 ( حرب العدوان) .
وقد تركت هذه الصراعات آثاراً عميقة على الإنسان السوداني، وأضعفت مؤسسات الدولة، واستنزفت الاقتصاد، وأخرت مسيرة التنمية والإعمار.
إن قراءة التجارب السابقة تؤكد أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة، كما أن الحكومات المدنية، عندما تفتقر إلى التوافق الوطني والمؤسسات القوية والبيئة الآمنة، تواجه تحديات كبيرة في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الإعمار.
لذلك، فإن نجاح الدولة لا يقاس بطبيعة السلطة المدنية أو العسكرية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات فاعلة، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق الأمن، وتقديم الخدمات للمواطنين.
لقد أثبتت التجارب أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق السلام. فالسلام الحقيقي هو الذي يعالج جذور النزاع، ويؤسس لدولة يقوم على العدالة، والمواطنة، والتنمية المتوازنة، والمشاركة السياسية الواسعة، بما يمنع تكرار دوامة العنف.
ومن هذا المنطلق، فإن السودان يحتاج إلى مشروع وطني شامل للسلام، ينطلق من الإرادة السودانية ويعبر عن مصالح الشعب، بعيداً عن أي تسويات قصيرة الأجل أو حلول لا تراعي الواقع المحلي. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الاتفاقات الأكثر استدامة هي تلك التي تحظى بملكية وطنية واسعة وتستند إلى توافق حقيقي بين القوى الوطنية والمجتمعية.
كما أن السلام المستدام لا يكتمل دون إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وإعمار المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات الأساسية، وتشجيع الاستثمار والإنتاج الزراعي والصناعي، حتى يشعر المواطن بأن السلام انعكس على حياته اليومية في الأمن وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تعزيز مؤسسات الدولة، وتطوير الإدارة العامة، وإصلاح أجهزة العدالة، وبناء مؤسسات أمنية تعمل وفق الدستور والقانون، بما يحفظ سيادة الدولة ويعزز الاستقرار.
إن التدخلات الخارجية قد تسهم أحياناً في تيسير الحوار أو تقديم الدعم الإنساني، إلا أن السلام المستدام لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يحتاج أولاً إلى إرادة وطنية صادقة، وحوار سوداني شامل، ورؤية مشتركة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية أو الفئوية أو الشخصية.
واليوم يقف السودان أمام فرصة تاريخية لاستخلاص الدروس من تجارب الماضي.
فالسلام ليس مجرد وقف لإطلاق النار، وإنما هو مشروع لبناء الدولة، وتحقيق التنمية، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، وفتح آفاق جديدة للأجيال القادمة.
إن المستقبل الذي يستحقه السودانيون هو مستقبل يسوده الأمن والاستقرار، ويقوم على التنمية والعدالة وسيادة القانون، حتى تتحول موارد البلاد وإمكاناتها الكبيرة إلى قوة دافعة للازدهار، بدلاً من أن تستنزفها الحروب المتكررة.
فإذا استطاع السودانيون الاتفاق على رؤية وطنية جامعة، وإعلاء قيمة الحوار والتوافق، فإن السودان قادر على طي صفحة النزاعات، والانطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها السلام المستدام، والتنمية الشاملة، والدولة القوية التي تخدم جميع مواطنيها دون تمييز.
