محمد أبوزيد كروم: إسرائيل في السودان.. متى ينتبه الناس؟!: إسرائيل في السودان.. متى ينتبه الناس؟!
محمد أبوزيد كروم: إسرائيل في السودان.. متى ينتبه الناس؟!
لم يتوقف السودانيون كثيراً عند خبر تكريم رئيس دولة جنوب السودان، سلفاكير، للعسكري ورجل الاستخبارات الإسرائيلي السابق “ديفيد أوري بن أوزيئيل”، البالغ من العمر 91 عاماً ، في القصر الرئاسي بجوبا الأسبوع الماضي. مرَّ الحدث مرور الكرام، وكنت أظن أنه سيكون محل وقفة، ولكن يبدو أن ما يجري في السودان أكبر وأهم مما حدث في جوبا.
لم يسأل أحد نفسه! لماذا هذا التكريم الآن؟! وما مصلحة حكومة جوبا في هذا الحدث المصنوع؟ ومن المؤكد أن جوبا ورئيسها منفذان فقط في هذا الحدث. ما الرسالة، وما المطلوب؟! هل هي رسالة لمصر والسودان، أم أن إسرائيل أرادت أن تقول إنها موجودة في عمق الملف السوداني منذ العام 1955، وأنها قادرة على تحقيق ما تريد، وأنها موجودة حالياً في ملف دارفور، وأن حركات التمرد السابقة والحالية متورطة في التعاون مع إسرائيل؟ ومن رسائلها المبطنة أنه لا مجال لممانعة التوجه الإسرائيلي في المنطقة!
لماذا كرمت جوبا ضابط الموساد السابق؟ حيث قالت جوبا إنها كرمت ديفيد تقديراً لدوره المحوري خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في دعم وتدريب حركة الأنانيا الأولى. وحركة الأنانيا تأسست في جنوب السودان في العام 1955، أي قبل استقلال السودان، وهذا هو بداية التمرد في جنوب السودان، وليس مع الإنقاذ، ولا كان انفصال الجنوب مع منبر السلام العادل!! فقد كانت حرباً أهلية مشتعلة ضد حكومة المركز منذ العام 1955 إلى العام 1972، تاريخ توقيع اتفاقية أديس أبابا بين جوزيف لاقو والمشير جعفر نميري، ثم عاد التمرد من جديد في العام 1983 بقيادة جون قرنق، إلى سلام نيفاشا في العام 2005، وانفصال الجنوب بأصوات شعبه بنسبة 99% في العام 2011. ومع ذلك، (ينط) عليك سياسي سوداني وضيع ويقول لك، بكل جهل وسفه، إن الإسلاميين فصلوا جنوب السودان، وهو لا يعرف من التاريخ إلا ما حفظه من عبارات مكرورة وخاوية يرددها كالببغاء!
هل كان يتخيل أحد أن تقدم دولة جنوب السودان ورقة دعم إسرائيل لها بهذا الشكل المكشوف، ولماذا في هذا التوقيت؟! وفي التاريخ ما فعله الجنوبيون من جرائم في حق الضباط الشماليين وأسرهم من الأطفال والنساء عند اندلاع تمردهم في العام 1955. وهذه أحداث غدر وجرائم لم يكتبها التاريخ بما تستحق من وصف لدمويتها ضد الأسر الشمالية المسالمة الآمنة من النساء والأطفال في جنوب السودان، قبل أن ينتقل التمرد من توريت إلى جوبا، وياي، ومريدي، وتبدأ معركة الانفصال التي قاتلتها ورفضتها حكومة الإنقاذ بضراوة، تمسكاً بوحدة غير موجودة، ودولة واحدة من كذب، وأحلام الحفاظ على بلد مركب من النقائض، وما استمرت وحدته إلا واستمر الموت والدمار. هكذا هو واقع دولة السودان، التي ستتصارع مكوناتها لوحدة ودولة بالقوة، ثم يقتنع الناس، بعد فوات الأوان، بحقائق الأشياء، وإسرائيل موجودة في قلب المعركة.
وتاريخنا القريب يذكرنا بأحداث يوم الاثنين الأسود في العام 2005، عقب مصرع قرنق، وكيف انتقم الجنوبيون من أهل العاصمة الخرطوم موتاً ونهباً وخراباً وحقداً ليس له مثيل. هكذا هو تاريخنا في السودان منذ تمرد العام 1955، عندما قُتل الشماليون في الجنوب، وفي العام 2005 في الخرطوم. ولكن هل ستبقى مقتلة 15 أبريل 2023 ، التي قادها التعايشي الجديد حميدتي، هي الأخيرة في حق السودانيين، أم سيستمر المسلسل المكسيكي؟!
