الخدمة الوطنية.. رافد الدولة ومدد التنمية
الخدمة الوطنية.. رافد الدولة ومدد التنمية
رؤية: علي حسن علي
الخدمة الوطنية في السودان لم تكن يوماً مجرد تدريب عسكري، بل كانت في أحسن صورها ذراعاً تنفيذية حقيقية تُسند الدولة في مركزها وولاياتها، وتُغذّي العملية التعليمية بالكفاءات والطاقات.
◀️ أولاً: إسناد الحكومة التنفيذية في المركز والولايات:
حين يُوجَّه خريجو الجامعات من أطباء ومهندسين ومحاسبين وإداريين إلى الخدمة الوطنية، فإنهم لا يذهبون إلى المعسكرات فحسب، بل يُوزَّعون على الوزارات والمصالح الحكومية في كل ولايات السودان.
هذا التوزيع يُحقق ما تعجز عنه الميزانيات:
يصل الطبيب إلى المستشفى الريفي النائي، ويصل المهندس إلى مشروع البنية التحتية في الأطراف، ويصل الإداري إلى المحلية التي تفتقر إلى الكوادر.
الخدمة الوطنية هي الجسر الذي يربط الكفاءة بالحاجة، ويوصل الخدمة إلى المواطن أينما كان.
◀️ ثانياً: إسناد العملية التعليمية:
المدارس في الأرياف والمناطق النائية تعاني شُحّاً حاداً في المعلمين المؤهلين. وهنا يكون خريج الخدمة الوطنية من حملة الشهادات الجامعية في التخصصات المختلفة رافداً لا غنى عنه للفصول الدراسية التي تنتظر من يُعلّمها.
حين يقف الشاب الخريج أمام طلاب قريته أو ولايته يُعلّمهم الرياضيات أو العلوم أو اللغة، فهو لا يؤدي واجباً وطنياً فحسب، بل يُعيد إنتاج الأمل ويكسر دائرة الجهل في المناطق الأكثر احتياجاً.
◀️ ثالثاً: إشراك الشباب في المبادرات المجتمعية الهادفة:
الشاب الذي يمر بتجربة الخدمة الوطنية لا يعود إلى مجتمعه فارغاً، بل يعود حاملاً روح المبادرة والانتماء. ومن أبرز ما تُحققه الخدمة الوطنية أنها تُحوّل الشباب من متلقّين سلبيين إلى فاعلين إيجابيين في مجتمعاتهم.
من خلال المبادرات المجتمعية الهادفة، يُشارك شباب الخدمة الوطنية في مشاريع خدمة المناطق المهمشة، وإعمار ما أتلفته الكوارث، ودعم الأسر المحتاجة، وتنظيم الفعاليات الثقافية والتوعوية. هذا الإشراك يُرسّخ لدى الشاب معنى المواطنة الفاعلة، ويجعله يرى في وطنه مسؤولية يتشاركها مع الجميع لا مجرد جغرافيا يقطنها.
◀️ رابعاً: إسناد المحليات في حملات الصحة البيئية والاستعداد للخريف:
تُعاني كثير من محليات السودان في الولايات من شُح الكوادر البشرية القادرة على تنفيذ حملات الصحة البيئية الموسمية. وهنا يبرز دور الخدمة الوطنية بوضوح، إذ يُشكّل شباب الخدمة طاقة بشرية منظمة ومُدرَّبة قادرة على:
– تنفيذ حملات إصحاح البيئة وتنظيف الأحياء والأسواق والمجاري
– المشاركة في حملات الرش ضد الحشرات الناقلة للأمراض كالملاريا والضنك
– الاستعداد لموسم الخريف من خلال تجهيز خزانات المياه وتصريف مجاري الأمطار وتوعية المواطنين
الخدمة الوطنية هي الجيش الهادئ الذي يحارب الوباء قبل أن يُعلن الوباء حربه.
◀️ خامساً: مكافحة المخدرات والظواهر السالبة والشرطة المجتمعية:
تُمثّل المخدرات والظواهر الاجتماعية السالبة تهديداً حقيقياً لنسيج المجتمع السوداني، ولا يمكن مواجهتها بالأجهزة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى شراكة مجتمعية واسعة. وشباب الخدمة الوطنية هم الحلقة الأقوى في هذه الشراكة لأسباب عدة:
أولها أنهم أبناء المجتمع ذاته، ويعرفون بيئته ومداخله ومخارجه. وثانيها أنهم تلقّوا تدريباً ينمّي فيهم الوعي والمسؤولية. وثالثها أنهم يمثلون القدوة لأقرانهم من الشباب.
من خلال الاستعانة بهم في الشرطة المجتمعية، يصبح الشاب المُجنَّد عيناً يقظة وذراعاً أمينة تُسند جهود الأجهزة الأمنية في:
– رصد نقاط تداول المخدرات والإبلاغ عنها
– المشاركة في حملات التوعية بمخاطر الإدمان في المدارس والأحياء
– مكافحة التسوّل والجريمة والتحرش وغيرها من الظواهر السالبة
– دعم الأمن المجتمعي في الأحياء والأسواق والتجمعات السكانية.
حين ننظر إلى الخدمة الوطنية بهذا المنظور الشامل، ندرك أنها ليست عبئاً على الشاب بل هي استثمار في الدولة والمجتمع معاً:
بناء الشخصية:
– الانضباط، الصبر، المسؤولية، اللياقة البدنية بناء الشخصي.
إسناد الحكومة:
– توزيع الكفاءات على الوزارات والمحليات
دعم التعليم:
– معلمون في المناطق النائية والأرياف
المبادرات المجتمعية:
– شراكة فاعلة في خدمة المجتمع وإعماره
الصحة البيئية:
– حملات الإصحاح والرش والاستعداد للخريف
الأمن المجتمعي:
– مكافحة المخدرات والظواهر السالبة والشرطة المجتمعية
السودان يحتاج شباباً يبني، لا شباباً يتفرج. والخدمة الوطنية هي المدرسة التي تُخرّج البُناة.
