كيف يستعيد السودان إستقراره الاقتصادي؟
نعمان يوسف محمد
ما بين تعهدات وزارة المالية وتحديات الواقع .. طريق طويل لإعادة بناء الاقتصاد
في ظل الظروف الإستثنائية التي يعيشها السودان، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للبلاد أن تستعيد عافيتها الاقتصادية وتعيد بناء الثقة في مؤسساتها وأسواقها؟
لقد أكدت وزارة المالية أنها تبذل جهوداً لإستعادة الإستقرار الاقتصادي للبلاد، وهو هدف لا يختلف عليه أحد، لكن حجم التحدي يتطلب أكثر من الإجراءات التقليدية؛ فالأزمة الحالية ليست مجرد أزمة موازنة أو سعر صرف، بل أزمة إنتاج، ومؤسسات، وثقة، وبيئة اقتصادية كاملة تعرضت لضغوط قاسية.
إن إستعادة الاقتصاد السوداني لإستقراره، تبدأ من تثبيت دعائم الإستقرار السياسي والأمني، فاقتصاد لا يجد فيه المستثمر والمواطن الأمان لن يستطيع النهوض. فالسلام ليس فقط مطلباً وطنياً، بل هو أول سياسة اقتصادية ناجحة.
بعد ذلك تأتي معركة إعادة بناء الدولة الاقتصادية عبر توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز دور بنك السودان، وضبط الإيرادات، وتوجيه الإنفاق نحو الإنتاج والخدمات الأساسية.
لكن التحدي الأكبر يكمن في إعادة الاقتصاد الحقيقي إلى الواجهة. فالسودان لا يعاني من نقص الموارد، بل من ضعف تحويلها إلى قيمة اقتصادية. فالزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعة تحتاج إلى سياسات تعيد تشغيلها وتربطها بالتصنيع والصادر.
وفي الجانب النقدي، فإن إستقرار العملة الوطنية لن يتحقق إلا بزيادة الإنتاج والصادرات، وتقليل العجز، وإستعادة الثقة في القطاع المصرفي، لأن قوة العملة تبدأ من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.
كما يمثل إصلاح القطاع المصرفي والتمويل الأصغر محوراً أساسياً في مرحلة التعافي، عبر تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإعادة تحريك النشاط الاقتصادي.
ولا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية دون التوقف عند المورد الأهم: الإنسان السوداني. فالكفاءات والخبرات الموجودة داخل البلاد وخارجها تمثل ثروة وطنية حقيقية. لذلك فإن تنظيم الإغتراب يجب أن ينتقل من الإعتماد على التحويلات الإستهلاكية إلى شراكة تنموية، عبر جذب إستثمارات المغتربين، والإستفادة من خبراتهم، وربطهم بمشروعات إعادة البناء.
كذلك فإن الإستثمار في التدريب وتأهيل الشباب وربط التعليم بسوق العمل سيكون ضرورياً لضمان اقتصاد حديث تقوده المعرفة وليس الموارد فقط.
ويبقى الإصلاح المؤسسي شرطاً لا غنى عنه، فالشفافية، ومحاربة الفساد، وحسن إدارة الموارد هي الأساس لإستعادة ثقة المواطن والمستثمر.
إن السودان أمام فرصة لإعادة بناء اقتصاده بصورة مختلفة؛ ليس مجرد إعادة ما كان قائماً قبل الأزمة، بل تأسيس نموذج أكثر إنتاجاً وإستدامة. فمرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تكون فقط لإعمار المباني، بل لإعمار الاقتصاد والإنسان والدولة.
والسؤال الذي سيحدد نجاح المرحلة القادمة: هل تتحول الجهود المعلنة إلى برنامج اقتصادي شامل يلمسه المواطن في حياته اليومية؟ فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس فقط المؤشرات، بل عودة الإنتاج، وإستقرار الأسواق، وفتح أبواب الأمل من جديد.
