من قصص الكرامة: برلين.. مكر النوايا وشبهات الوصاية
الطيب قسم السيد
من قصص الكرامة:برلين.. مكر النوايا وشبهات الوصاية
سلمت الحكومة السودانية، أول أمس الجمعة، الحكومة الألمانية مذكرة رسمية عبر سفارتها ببرلين، عبرت خلالها بلهجة حاسمة عن رفض السودان القاطع لانعقاد مؤتمر برلين الذي ترعاه الحكومة الألمانية وجهات أخرى. وجاء هذا الرفض مسبباً بتجاهل مشاركة السودان والتشاور معه حول الترتيبات المتعلقة بالقمة، مما يعد تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية وسلباً للإرادة الوطنية في تقرير مصير البلاد.
واعتبرت المذكرة السودانية أن ما يجري الترتيب له وينشر في هذا الصدد يمثل خرقاً صريحاً للمواثيق الدولية وقانون الأمم المتحدة، وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول واستقلال قرارها. وشددت الحكومة على أن أي محاولة لفرض وصاية خارجية تحت غطاء المساعدات الإنسانية أو الحلول السياسية، دون موافقة الدولة ومؤسساتها الشرعية، لن تزيد المشهد إلا تعقيداً وستواجه بالرفض الشعبي والرسمي التام.
وفي ظل التعقيد الذي يعتري الأزمة السودانية الماثلة، تبرز الحرب المفروضة من جهات دولية وإقليمية معلومة الأهداف والأطماع. هذه الحرب التي يواجهها جيش السودان ومناصروه بحسم وردع صارمين، محطمين أوهام الغزاة في كل جبهة، حيث تتبدد أرتال الإمداد وقوافل التشوين أمام ضربات القوات المسلحة التي تبطل وتصد المتحركات العابرة للحدود الساعية لتمزيق وحدة البلاد الجغرافية والاجتماعية.
وتتجلى صلابة الإرادة السودانية في أبهى صورها عبر المواقف الداعمة للقوات المسلحة من قبل الشعب السوداني الملتف بكل أطيافه وتكويناته خلف راية الوطن. هذا الالتفاف التاريخي أصبح الصخرة التي تتكسر عليها كافة المؤامرات، مما دفع القوى المتآمرة إلى تغيير استراتيجياتها لمحاولة شق الصف الداخلي عبر أساليب ملتوية تهدف إلى زعزعة الثقة بين الشعب وقيادته العسكرية في هذه المرحلة المفصلية.
وفي هذه الأثناء، تعمد جهات خارجية ـ بإرشاد وتسهيل من متواطئين بالداخل والخارج ـ إلى إثارة نعرات بغيضة وتبث داء الكراهية في نسيج المجتمع. وتهدف هذه التحركات المسمومة لدفع المجتمعات الآمنة والمتماسكة نحو مزالق التشظي والتناحر القبلي والجهوي، وهي قيم دخيلة وغريبة تماماً على ثقافة وتاريخ شعب السودان الذي عرف بالتسامح والتعايش السلمي عبر القرون.
وتنشط هذه الأيام بعض المنابر المأزومة برعاية غربية وإقليمية لعقد مؤتمرات مشبوهة تهدف لتزييف إرادة الأمة السودانية عبر أطراف المؤامرة المستمرة منذ ثلاثة أعوام. وتبرز في هذا المشهد التشكيلات المسلحة التي باتت تمثل تهديداً مباشراً لكيان الدولة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع المتمردة، التي تساندها حركات مسلحة أخرى تتباين أهدافها وتلتقي في أثرها التدميري على مسار الدولة ومؤسساتها.
إن تباين رؤى هذه الأطراف وتعدد ولائاتها العابرة للحدود يجعل الأزمة تتجاوز كونها نزاعاً عسكرياً عابراً، لتتحول إلى أزمة بنيوية وجودية تمس كيان الدولة وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة. هذا الاختراق الممنهج يسعى لتحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يتطلب يقظة وطنية عالية لإدراك حجم الأخطار المحدقة بحدودنا وقرارنا السيادي المستقل.
ولتعقيد هذا المشهد المعتم، يبرز دور ما تعرف بحكومة (تأسيس) والتحالفات المرتبطة بها، والتي ينظر إليها المراقبون والمحللون بوصفها تحالفات ظرفية تحكمها حسابات السلطة الضيقة والمصالح الشخصية. إن هذه الكيانات تفتقر للمشاريع الوطنية الهادفة، مما يجعلها مجرد أدوات في أيدي القوى الخارجية التي تسعى لرسم خارطة طريق للسودان لا تعبر عن أشواق وتطلعات شعبه الصامد.
الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦
