7 يوليو

حسن البصير عبق خنادق الأمس في معركة الكرامة

شاهد عيان يوليو 7, 2026
شارك الخبر:

​▪️في سياحة بين الزمنين، نقف على محطة واحدة أنجبت رجالاً من رحم واحد؛ خرج جيل الأمس من “الدفاع الشعبي”، وخرج جيل اليوم من مستنفري “معركة الكرامة”. بينهما مسافة سنوات، ولكن تجمعهما مشكاة واحدة: السودان، والراية، واليقين بأن الأرض لا تُصان إلا بالدم. لقد أكرمني الله أن عاصرت الجيل الثاني من شباب السودان المجاهد، الذين لبّوا نداء القائد ومضوا بلا تردد في طريق العزة والشموخ.
​▪️كان قتال الأمس له طعم آخر يفوح بعبق الصمود: الميل أربعين، وصيف العبور، والعاديات ضبحاً، وجبل ملح، والأحراش، والوديان، والليالي الطويلة في الخنادق. كنا نمضي وتسوقنا الأشواق للرباط، ونجد متسعاً بين الوثبة والكمين، نرفع الأناشيد الجهادية تحت ظلال التدوين، ونودع الشهيد إن سقط مضرجاً بدماء طاهرة، ليمد المشاعل للشهيد الآخر الذي يكمل المسيرة بذات العزيمة التي لا تلين.
​▪️أما اليوم، فقد انتقلت المعركة ما بين الطرقات والمباني في المدن المأهولة بالسكان لأن العدو اختارها هكذا؛ فتغيرت الجغرافيا، لكن لم يتغير الجوهر، ففكرة التدافع جسّدت فدائية جيل اليوم في الصمود الأسطوري، وفي مواجهة كثافة نيران عدو يقنص من كل زاوية. إنه جيل جمع بين الحرب الحديثة وفن التكتيك، وبين ثورة الاتصالات وتقنية المسيّرات، وهي أدوات جعلت ميدان القتال ساحة للذكاء بجانب الشجاعة.
​▪️في منتصف معركة الكرامة، ونحن نجهّز هؤلاء الشباب، وجدتُ رفيق خندق وبندقية من جيلنا وقد اشتعل رأسه شيباً؛ سألته عن موقعه، فقال وقد وهن العظم منه: “أنا كموسنجي أخدم هؤلاء الأبطال”. حدثني عن مواقف شجاعة وباسلة لهذا الجيل المستنفر لم توثق بعد، وقد رأى منهم العدو بأساً شديداً، فأثبتوا أنهم من ذات المدرسة التي تخرج منها الدبابون الأوائل؛ مدرسة علي عبد الفتاح، وماجد كامل، وعوض عمر.
​▪️ومن ذاكرة المتحركات في العهد الذهبي، لا يغيب عني مشهد في “سندروا” بشرق الاستوائية؛ قال الشهيد المعز عبادي: “سأبيع بالقطاعي”، أي لا يريد الشهادة من أول طلقة، بل يريد أن يقدم أطرافه أولاً ثم يمضي إلى الله. وقال الشهيد أمين الدولب: “وأنا سأبيع لله بالجملة”. وربح البيع؛ أُصيب المعز في عينه ثم في يده ثم استشهد مقبلاً غير مدبر، وكذلك الدولب. إنها سلعة الله، ألا إن سلعة الله هي الجنة.
​▪️ومن طرائف الذاكرة التي لا تُنسى: في “خور كايا” بطريق “نملي” أُصبت بالملاريا مع جنديين؛ كنا عائدين من المتحرك، ولشدّة مرضي آواني القائد في مقره. وفي الصباح استشهد أحد الرفيقين، وسمعتُ من داخل “كرنك” من يصدر التعليمات بحفر القبر، ولم تمضِ ساعات حتى استشهد الآخر، فتمالكت نفسي وخرجتُ أبحث عن المحافير لأواري الثرى جثمانيهما، ويومها أطلقوا عليّ لقب “الشهيد الحي”.
​▪️إلى شباب معركة الكرامة: أنتم امتداد لهذا الميل، وهذا الخندق، وهذا العهد. حملتم السلاح في زمن اختلطت فيه الضوضاء بالحقائق، فميّزتم بينهما بالبصيرة. لا تجعلوا التضحيات أرقاماً في الأخبار، بل اجعلوها وصية في الأعناق. احملوا البندقية بيد، والعلم بيد، والأخلاق في القلب؛ فالنصر لا يصنعه السلاح وحده، بل يصنعه الثبات حين ينهار الآخرون، ويصنعه الوعي حين يريدون لكم أن تنسوا هويتكم.
​▪️أنتم اليوم حراس الحاضر، وبناة الغد المشرق. اثبتوا، فإن الأرض لا تُورث إلا لمن دفع ثمنها دماً وعرقاً وصبراً. انظروا إلى أثركم في التاريخ، وكيف تتوارث الأجيال قيم الفداء التي زرعها الآباء في ثرى هذا الوطن. إن السودان يستحق منا الكثير، ويستحق أن نبقى أوفياء لدم الشهداء ولتراب هذه الأرض التي روتها دماؤهم لتزهر عزة وكرامة، فكونوا كما عهدناكم في قلب المعركة.
​﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾

مواضيع ذات صلة