✍🏽عبدالمنان أبكر عمر الاصطفاف الوطني وازدياد شعبية الجنرال عبد الفتاح البرهان في سياق حرب السودان

عبدالمنان أبكر عمر

 

 

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع المتمردة، دخلت الدولة السودانية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة منذ الاستقلال. لم تكن هذه الحرب صراعاً تقليدياً على السلطة، بقدر ما تحولت سريعاً إلى معركة وجود تتعلق ببقاء الدولة، ووحدة ترابها، ومستقبل مؤسساتها الوطنية. وفي خضم هذه المواجهة الممتدة لما يقارب ثلاثة أعوام، برزت شخصية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بوصفه قائداً عسكرياً يمتلك كذلك أدوات إدارة سياسية للأزمة، في ظرف إقليمي ودولي اتسم بتكالب واضح على السودان ومحاولات حثيثة لإضعاف جيشه وتفكيك دولته.

أولاً: إدارة الحرب بين القيادة العسكرية والقرار السياسي:
قاد الجنرال البرهان القوات المسلحة في بيئة بالغة التعقيد: عاصمة محتلة جزئياً، مليشيا منتشرة وسط الأحياء السكنية، حرب نفسية وإعلامية شرسة، وضغوط دولية سعت في كثير من الأحيان إلى فرض مقاربات تساوي بين الدولة الشرعية ومليشيا متمردة. ورغم ذلك، استطاعت القيادة العسكرية إعادة تنظيم صفوفها، والحفاظ على تماسك الجيش، والانتقال تدريجياً من مرحلة الدفاع وامتصاص الصدمة إلى مرحلة المبادرة والهجوم.
هذا التحول لم يكن عسكرياً فقط، بل عكس قدرة على إدارة الحرب سياسياً، عبر تثبيت سردية أن ما يجري هو حرب سيادة وحماية للدولة، وليس نزاعاً بين أطراف متكافئة. هذا الفهم أسهم في توحيد قطاعات واسعة من الشعب خلف القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة والأخيرة القادرة على منع انهيار السودان.

ثانياً: الانتصارات العسكرية وانهيار القوة الصلبة للمليشيا:
مع مرور الوقت، بدأت موازين القوى تميل بوضوح لصالح الجيش، حيث تمكنت القوات المسلحة، مسنودة بإرادة شعبية متنامية، من إضعاف وتفكيك القوة الصلبة لمليشيا الدعم السريع في عدد من المحاور الاستراتيجية. هذه الانتصارات كشفت حدود الرهان الإقليمي والدولي على المليشيا، وأثبتت أن الدعم الخارجي، مهما بلغ حجمه، لا يمكنه أن يحل محل الشرعية الوطنية أو أن يصنع قبولاً شعبياً.
كما أسهمت الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين في تعرية خطابها السياسي، وتحويلها في الوعي الجمعي السوداني إلى تهديد وجودي لا يمكن التعايش معه أو إدماجه في أي مشروع مستقبلي للدولة.

ثالثاً: تكالب الخارج وتبلور الوعي الوطني:
أدرك السودانيون، مع تطور مجريات الحرب، أن الصراع تجاوز حدوده الداخلية، ليصبح جزءاً من صراع إقليمي ودولي على موقع السودان الجيوسياسي وموارده ودوره في الإقليم. هذا الإدراك عزز الشعور بأن الوقوف خلف الجيش ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل ضرورة وطنية لحماية السيادة ومنع تحويل السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
في هذا السياق، تكرست صورة الجنرال البرهان، لدى قطاعات واسعة من الشعب، بوصفه قائداً يواجه ضغوط الخارج ويرفض الإملاءات التي تنتقص من هيبة الدولة أو تشرعن وجود المليشيات، وهو ما أسهم بشكل مباشر في ازدياد شعبيته.

رابعاً: التظاهرات والاصطفاف الوطني خلف القوات المسلحة:
جاءت التظاهرات الجماهيرية التي شهدتها معظم مدن السودان، إلى جانب وقفات داعمة في عواصم بعض الدول، تحت شعار «الاصطفاف الوطني خلف القوات المسلحة»، كتتويج عملي لهذا التحول في المزاج الشعبي. فقد عبّرت هذه الحشود عن موقف واضح مفاده أن الشعب السوداني حسم خياره، وأنه لا مجال بعد اليوم لشرعنة المليشيات أو إعادة إنتاجها سياسياً.
شعارات الجماهير حملت رسائل استراتيجية بالغة الدلالة، من أبرزها:
لا مكان للمليشيات في السودان الجديد.
القوات المسلحة هي الضامن لوحدة الدولة وبقائها.
الحسم العسكري هو الخيار الواقعي بعد فشل كل مسارات التسوية مع المتمردين.
هذه الرسائل لم تكن موجهة للداخل فقط، بل حملت أيضاً إنذاراً واضحاً للخارج بأن أي حل يتجاوز إرادة الشعب السوداني أو يتجاهل تضحياته لن يكتب له النجاح.
خامساً: البرهان بين القيادة والرمزية الوطنية
إن ازدياد شعبية الجنرال البرهان لا يمكن فهمه فقط من زاوية الانتصارات العسكرية، بل من موقعه الرمزي بوصفه رأس مؤسسة وطنية تقاتل دفاعاً عن الدولة، لا عن مشروع فئوي أو أيديولوجي. فقد حرص، في خطابه وممارساته، على التأكيد بأن الحرب هي معركة الشعب والجيش معاً، وأن هدفها النهائي هو استعادة الدولة وبناء سودان خالٍ من المليشيات.
هذا الخطاب، المتقاطع مع واقع ميداني يتجه لصالح القوات المسلحة، أسهم في إعادة بناء الثقة بين الجيش والشعب، وفي تحويل الجنرال البرهان إلى أحد أبرز رموز مرحلة الصمود الوطني، لا بوصفه قائداً عسكرياً فقط، بل باعتباره عنواناً لاستمرارية الدولة في مواجهة مشاريع التفكيك.
في هذا السياق، لم تعد شعبية البرهان ناتجة عن ظرف طارئ، بل أصبحت تعبيراً عن اصطفاف وطني واسع يرى في القيادة العسكرية الحالية مظلة ضرورية لعبور المرحلة الانتقالية القسرية التي فرضتها الحرب.

دلالات المرحلة وخيارات المستقبل:
إن الاصطفاف الشعبي الواسع خلف القوات المسلحة، كما تجلّى في التظاهرات الحاشدة داخل السودان وخارجه، يحمل انعكاسات استراتيجية مباشرة على مواقف الإقليم والمجتمع الدولي. فقد بعث هذا الاصطفاف برسالة واضحة مفادها أن الرهان على المليشيات أو فرض تسويات تتجاوز الإرادة الشعبية لم يعد واقعياً ولا قابلاً للحياة. وهو ما يضع القوى الإقليمية والدولية أمام معادلة جديدة أساسها التعامل مع الجيش بوصفه الفاعل الشرعي الوحيد القادر على فرض الاستقرار وحماية وحدة الدولة.
كما أن هذا الزخم الشعبي يعزز موقف القيادة السودانية في أي مسارات تفاوضية مستقبلية، إذ يمنحها شرعية داخلية قوية تفتقدها الأطراف الأخرى، ويُقيد هامش الضغوط الخارجية التي سعت سابقاً إلى فرض حلول جزئية أو هشة. وبذلك، يتحول الحسم العسكري، المدعوم بإجماع وطني، من مجرد خيار أمني إلى مدخل استراتيجي لإعادة بناء الدولة واستعادة القرار السيادي.
تكشف هذه المرحلة عن تحول عميق في الوعي السياسي للسودانيين، حيث باتت الأولوية القصوى هي إنهاء ظاهرة المليشيات إلى غير رجعة، ورفض الفوضى، واستعادة الدولة المركزية القادرة. وفي هذا السياق، فإن ازدياد شعبية الجنرال البرهان لا يعكس فقط دعم شخص، بل يجسد خيار شعب قرر أن يقول بوضوح: لا مجال للمتمردين والمليشيات في السودان، وأن طريق الاستقرار يمر عبر جيش وطني موحد وحسم يحمي السيادة ويفتح الباب أمام مستقبل سياسي مستقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *