✍🏽راشد همت التظاهر في زمن الحرب… متى يصبح خطرًا على الدولة؟
شهد السودان يوم السبت الماضي مواكب ذكرى ثورة ديسمبر، والتي كان من المفترض أن تكون مناسبة سلمية للتعبير المدني. لكن ما حدث كشف عن أبعاد سياسية وأمنية دقيقة، وفجوات سمحت لبعض الجهات باستغلال الحدث لتحقيق أهدافها الخاصة.
في ظل حرب مفروضة على الدولة بدعم خارجي، يبرز السؤال الحاسم: متى يتحول التظاهر من حق مشروع إلى تهديد مباشر للأمن الوطني واستقرار المجتمع؟
حق التعبير وضوابط الدولة
التظاهر السلمي حق مشروع، لكنه ليس مطلقًا في زمن الحرب. حماية هذا الحق تتطلب وضع ضوابط صارمة لمنع استغلاله في تهديد الدولة، ومن أبرز هذه الضوابط:
▪️تحديد الجهات الداعية وتحميلها المسؤولية القانونية الكاملة عن أي تجاوزات.
▪️تحديد أماكن وأوقات التظاهر بعيدًا عن الأسواق والمستشفيات والمرافق الحيوية.
▪️منع أي اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، لأن أي فوضى تؤثر مباشرة على حياة المواطنين.
▪️الالتزام بشعارات منضبطة لا تمس العقائد، ولا تحض على الكراهية أو التمييز، مع الامتناع التام عن استفزاز الجهات الأمنية.
فالحرية بلا ضوابط تتحول سريعًا إلى فوضى، والفوضى في زمن الحرب تمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للدولة والمجتمع، وقد تقوض كل الانتصارات العسكرية على الأرض.
التقديرات الميدانية والفجوات السياسية
على الرغم من أن الشرطة كانت على علم بالتحركات المحتملة بشأن التظاهر، إلا أن بعض التقديرات السياسية حال دون قيام الشرطة بواجباتها بالشكل الكامل. هذا الخلل في التقدير السياسي والميداني ترك المجال لاستغلال الحدث من قبل جهات تسعى لتحقيق مصالح خاصة.
من اللافت أن التظاهر لم يحدث في العامين الماضيين، ولم تشهد مدن تحت سيطرة المليشيا مثل الضعين ونيالا أي فعاليات مماثلة، ما يشير إلى انتقائية سياسية واستغلال استراتيجي للتجمع الحالي، ويعكس خطورة تجاهل الدروس المستفادة من التجارب السابقة.
التحول من فعل مدني إلى تهديد مباشر
لم تتحرك المسيرة كما كان مخطط لها، وتحولت إلى منصة لهتافات عدائية وداعية للعنف، بما في ذلك تهديدات باستخدام السلاح، مثل:
“عندنا كلاشنكوف زي ما عندكم ونشوف البلد ح تمشي وين”
“سنفرض إرادتنا بالقوة مهما كلف الأمر”
هذا التحول يوضح أن الحدث لم يعد مجرد تعبير مدني، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن العام والممتلكات الحيوية، ما استدعى تدخل الأجهزة الأمنية وفق تقديرات دقيقة.
التجارب السابقة قبل الحرب أكدت أن التساهل مع التجمعات غير المنضبطة يؤدي إلى سقوط قتلى، وإصابات، وتدمير منشآت حيوية، وهو درس بالغ الأهمية يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار دائمًا.
الجهات السياسية المرتبطة بالمليشيا واستغلال التجمع
هناك جهات سياسية بعينها استغلت الحدث لتحقيق أهداف أمنية وسياسية، مثل اختبار صبر الدولة وإحداث خلخلة في الجبهة الداخلية وتحريك الخلايا النائمة.
الدرس الحاسم : من يحمل السلاح أو يتعاون مع العدو لا يُعامل كفاعل مدني طبيعي، ولا يُمنح حقوق التظاهر السلمي المشروع.
غياب التظاهر في الأعوام السابقة، وفي المدن الخاضعة للمليشيا، يسلط الضوء على الانتقائية الواضحة واستغلال الحدث لتحقيق أهداف استراتيجية خفية.
دور الدولة والمجتمع في زمن الحرب
إن حماية الجبهة الداخلية اليوم لا تقل أهمية عن الانتصار في الميدان العسكري. أي تساهل مع استغلال الأحداث تحت شعارات براقة يصب مباشرة في مصلحة أعداء الوطن، ويهدد استقرار المجتمع.
من الضروري أيضًا تعزيز وعي المجتمع المدني بمسؤولياته في زمن الحرب، والحرص على أن تكون أي فعاليات مدنية ضمن ضوابط قانونية وأمنية واضحة، حفاظًا على الأمن القومي واستقرار الحياة اليومية.
خاتمة: الحسم ووعي المسؤولية ..التظاهر في زمن الحرب يصبح خطرًا حين يُستغل خارج الضوابط القانونية والأمنية، ويصبح منصة للتهديد أو الاختراق.
في زمن الحرب:
الوضوح قوة،
والحسم وعي،
والدولة التي تعرف عدوها… لا تمنحه أبوابها باسم الحرية.
