13 يوليو

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي المحكمة الدستورية… بداية الطريق

شاهد عيان يوليو 13, 2026
شارك الخبر:

أصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الثلاثاء قراراً بتعيين خمسة أعضاء جدد بالمحكمة الدستورية، استناداً إلى أحكام المرسوم الدستوري رقم (38) لسنة 2019م، والوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م المعدلة لسنة 2025م، وقانون المحكمة الدستورية لسنة 2005م، إلى جانب القوانين واللوائح ذات الصلة.

شمل القرار تعيين كل من سومي زيدان عطية، وابتسام أحمد عبد الله موسى، ومحمد أحمد محمد طاهر، ومحمد زمراوي ناصر همت، وعليش عثمان الحاج عامر، بما يكتمل معه تشكيل المحكمة الدستورية بعد سنوات من الغياب. ولا تقتصر أهمية الخطوة على سد فراغ مؤسسي، بل تمثل مؤشرًا على استعادة أحد أهم ركائز الدولة الدستورية، في مرحلة تتطلب ترسيخ سيادة القانون وإعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس أكثر رسوخًا في أعقاب الحرب.

ولا يمكن النظر إلى هذه الخطوة بمعزل عن القرار السابق الذي أصدره رئيس مجلس السيادة بتعيين مولانا وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية، بعد أن ظل هذا المنصب شاغراً منذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019. فقد كان غياب المحكمة و تعطيل تشكيلها أحد مظاهر الأزمة، التي رافقت المرحلة الانتقالية، وأفقدت الدولة إحدى أهم أدواتها في الرقابة الدستورية وحماية التوازن بين السلطات.

إن اكتمال تشكيل المحكمة اليوم يعني استعادة مؤسسة ليست عادية في بنية الدولة، فهي أعلى جهة قضائية مختصة بالرقابة على دستورية القوانين، وتفسير النصوص الدستورية، والفصل في المنازعات ذات الطبيعة الدستورية بين مؤسسات الحكم، فضلاً عن حماية الحقوق والحريات العامة. ولذلك فإن عودتها تعني، إعادة الاعتبار لفكرة الدولة القائمة على المؤسسات، لا على الظروف الاستثنائية أو موازين القوة.

وربما لا تأتي أهمية هذه الخطوة في كونها تعالج غياب أهم المؤسسات. فالبلاد اليوم تقف أمام مرحلة تاريخية يعاد فيها تعريف الدولة بعد الحرب، وهذه المرحلة تحتاج إلى أكثر من التسويات السياسية، تحتاج إلى مؤسسات قادرة على ضبط الانتقال، وحماية الحقوق، ومنع تكرار أسباب الأزمة. فالدول التي تخرج من النزاعات، تبنى بإقامة مؤسسات تجعل القانون مرجعاً دائماً لإدارة الخلافات.

وقد أدى غياب المحكمة الدستورية خلال السنوات الماضية إلى فراغ دستوري وقانوني انعكس على عدد من القضايا، وأضعف منظومة الرقابة على أعمال الحكومة، وحرم المواطنين من جهة الاختصاص الأصيلة في الطعون والمنازعات الدستورية. كما جاء هذا الغياب ضمن سياق أوسع شهد تعطل مؤسسات عدلية وتشريعية أخرى، مثل المجلس التشريعي ومجلس القضاء العالي ومجلس النيابة الأعلى، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة المرحلة الانتقالية وفق أسس مؤسسية ناجحة ومستقرة.

وفي هذا السياق، سبق أن تناولنا في زاوية “وجه الحقيقة” في سبتمبر 2025 موضوع المحكمة الدستورية تحت عنوان “المحكمة الدستورية وقضايا العدالة المعطلة”، وأشرنا حينها إلى أن غياب المحكمة لم يكن مجرد تأخير في تشكيل مؤسسة قضائية، وإنما كان فراغاً مؤسسياً أثر على العدالة، وأبقى العديد من القضايا بلا جهة دستورية تحسمها. وأكدنا أن تعيين رئيس المحكمة يمثل بداية ضرورية، لكن اكتمال تشكيلها هو الخطوة التي تمنحها القدرة الفعلية على أداء دورها. واليوم، مع تعيين الأعضاء الجدد، تكتمل الحلقة الأولى في طريق استعادة هذه المؤسسة لدورها.

إن الدور المرتقب للمحكمة الدستورية في المرحلة المقبلة يتجاوز الفصل في المنازعات الدستورية المنتظرة، ليمتد إلى أن تكون إحدى ركائز إعادة بناء الدولة عبر حماية الدستور والحقوق، وضبط العلاقة بين السلطات، وضمان دستورية القوانين، بما يعزز استقرار الحكم في مرحلة ما بعد الحرب. غير أن قيمة المحكمة لا تكمن في وجودها فقط، بل في استقلالها، فهي ليست خصمًا للحكومة ولا أداة لأي طرف سياسي، وإنما الضامن لسيادة القانون وصون الحقوق، لأن القضاء الدستوري المستقل يمثل صمام الأمان في مواجهة تغول السلطة وحماية شرعية الدولة.

يمثل استكمال تشكيل المحكمة الدستورية اليوم خطوة مهمة، لكنه ينبغي أن يكون بداية لاستكمال بقية مؤسسات الدولة، لأن بناء الدولة لا ينهض بمؤسسة واحدة، بل بمنظومة متكاملة تضم المؤسسات العدلية والتشريعية، وتعيد التوازن بين السلطات، وترسخ الثقة في سيادة القانون.

وتظل مسؤولية حماية استقلال المحكمة مشتركة بين الحكومة والقوى السياسية والمجتمع، عبر احترام اختصاصاتها وإبعادها عن التجاذبات. فالمؤسسات تستمد قوتها من الالتزام بأحكامها قبل نصوص تأسيسها، والسودان في مرحلة ما بعد الحرب أحوج إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وهي ثقة لا تصنعها الشعارات، بل عدالة مستقلة وسيادة راسخة للقانون.

وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن استكمال تشكيل المحكمة الدستورية يتجاوز كونه إجراءً قانونيًا، ليشكل خطوة نحو استعادة الدولة وترسيخ سيادة القانون بعد سنوات من الفراغ. غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا باستقلال المحكمة وقدرتها على حماية الدستور والحقوق، لتكون بداية الطريق لمسار أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ العدالة، باعتبارها الركيزة الأساسية للسلام والاستقرار والتنمية.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 13 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#المحكمة_الدستورية
#بداية_الطريق
#سيادة_القانون
#إعادة_بناء_الدولة
#استقلال_القضاء
#دولة_المؤسسات
#العدالة_الدستورية
#السودان_نحو_التعافي
#ما_بعد_الحرب
#إبراهيم_شقلاوي

مواضيع ذات صلة