14 يوليو

رؤية استراتيجية حول مبادرة الحركة الشعبية (شمال) وآفاق الحوار السوداني – السوداني لتحقيق الإجماع الوطني ✍️*المهندس نهيض محمد نهيض صالح*

شاهد عيان يوليو 13, 2026
شارك الخبر:

تشكل المبادرة التي طرحها رئيس الحركة الشعبية – شمال، مالك عقار، محاولة لإعادة فتح باب الحوار بين القوى السياسية والمدنية وحركات الكفاح المسلح حول القضايا الجوهرية التي أدت إلى الحرب واستمرارها. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض مضامين المبادرة، فإن أهميتها تكمن في أنها تعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن للسودانيين أن يصنعوا توافقاً وطنياً بأيديهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية؟
إن السودان يمر بمرحلة مفصلية لا يمكن إدارتها بمنطق الغلبة العسكرية وحدها، ولا بمنطق الإقصاء السياسي، وإنما يتطلب الأمر تأسيس مصالحة وطنية يحفظ الدولة ويعيد بناء الثقة بين مكوناتها.
أولاً: قراءة استراتيجية للمبادرة
تتميز المبادرة بعدة نقاط إيجابية، أبرزها:
الدعوة إلى حوار مباشر بين القوى السودانية.
الاعتراف بأن الأزمة ليست عسكرية فقط، وإنما سياسية واجتماعية ودستورية.
التأكيد على بناء جيش وطني مهني موحد وخضوعه للسلطة الدستورية.
الدعوة إلى معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بإيقاف القتال.
لكن نجاح أي مبادرة لا يرتبط بالنصوص وحدها، وإنما بقدرتها على استيعاب جميع الفاعلين السياسيين والمجتمعيين دون استثناء، وتحويل المبادئ إلى آليات تنفيذية واضحة.
ثانياً: ما المطلوب لإنجاح الحوار السوداني – السوداني؟
نجاح الحوار الوطني يحتاج إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، أهمها:
1. الاعتراف بالتعدد السوداني باعتباره مصدر قوة لا سبباً للصراع، واحترام التنوع السياسي والثقافي والإقليمي.
2. توسيع دائرة المشاركة لتشمل:
. الأحزاب السياسية.
. الإدارات الأهلية.
. الطرق الصوفية والقيادات الدينية.
. منظمات المجتمع المدني.
. النساء والشباب.
. الأكاديميين والخبراء.
. ممثلي النازحين واللاجئين.
. رجال الأعمال والقطاع الاقتصادي.
3. الاتفاق على الثوابت الوطنية قبل مناقشة القضايا الخلافية، وفي مقدمتها:
. وحدة السودان.
. سيادة الدولة.
. رفض خطاب الكراهية والعنصرية.
. الحفاظ على مؤسسات الدولة.
. الاحتكام إلى الإرادة الوطنية.
4. الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي، بحيث تستمر الترتيبات الأمنية وفق اتفاقات واضحة، بينما يناقش الحوار مستقبل الحكم والدستور والانتقال السياسي.
ثالثاً: أولويات الحوار الوطني
حتى يحقق الحوار نتائج عملية، ينبغي أن يركز على القضايا الكبرى، ومنها:
. إنهاء الحرب .
. حماية المدنيين.
. إيصال المساعدات الإنسانية.
. إعادة بناء المؤسسات.
. الإصلاح الاقتصادي.
. العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
. إعادة الإعمار.
. صياغة دستور دائم.
. الإعداد لانتخابات حرة بعد استكمال المرحلة الانتقالية.
رابعاً: كيف يتحقق الإجماع الوطني؟
الإجماع الوطني لا يعني اتفاق الجميع على كل التفاصيل، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى الذي يحفظ الدولة.
ويتحقق ذلك عبر:
. تقديم المصلحة الوطنيةعلى المصالح الحزبية.
. بناء الثقة بين الأطراف.
. وقف حملات التخوين والتحريض.
. الالتزام بالحوار المباشر.
. ضمان تنفيذ أي اتفاق عبر آليات وطنية مستقلة.
. إشراك المواطنين في صناعة المستقبل وليس الاقتصار على النخب السياسية.
خامساً: الدور المطلوب من القوى المجتمعية
لا ينبغي أن يبقى الحوار محصوراً بين السياسيين، بل يجب أن تكون القوى المجتمعية شريكاً أساسياً في صناعة السلام، من خلال:
. نشر ثقافة التعايش.
. دعم المصالحات المحلية.
. مكافحة خطاب الكراهية.
. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
. المساهمة في إعادة الإعمار والتعافي المجتمعي.
إن المبادرات الوطنية تمثل فرصة للحوار وليست غاية في حد ذاتها، وقيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على جمع السودانيين حول مشروع وطني جامع.
واليوم يحتاج السودان إلى حوار سوداني–سوداني يقوم على الثقة والاحترام المتبادل، ويضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والجهوية.
فالسلام المستدام لا يتحقق بالحلول العسكرية وحدها، ولا بالتسويات المؤقتة، بل بإرادة وطنية صادقة تؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون، وتحافظ على وحدة السودان واستقراره، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والإعمار والتنمية.

مواضيع ذات صلة