
تلقيتُ رسالة عبر الهاتف من الدكتور سليمان أحمد بلدو، الناشط السياسي والرمز الدارفوري المقيم بكندا، تحمل في مضمونها حرارة الوجع و بارقة الأمل انتظارا لساعة التحرير و كانت الرسالة تعقيباً على ما كتبته في هذه الزاوية بعنوان “الحرب السودانية ما بين الطلقة الأولى والأخيرة”. كان حديثه نداءً دامياً ينبض بمرارة المأساة، وينقل تفاصيل المعاناة التي تعيشها مدينة “الفاشر” تلك القلعة الصامدة التي حولتها ميلشيات الجنجويد إلى مدينة أشباح يُلفها الموت من كل جانب.

قال “أنقل لكم صوت الشرفاء من قلب الحصار؛ فالأهالي هناك يقفون على جمر الانتظار، يرقبون أفق الفاشر بلهفةٍ تتطلع لزحف أبطال القوات المسلحة السودانية، ليطهّروا ترابها العظيم من دنس العصابات ويدحروا مخططات الغدر. إن الفاشر اليوم ليست مجرد جبهة قتال، بل هي جدار الصد الأخير وصخرة الصمود التي ستتحطم عليها أوهام التقسيم وشرور التفتيت.
إن التقرير الميداني من ذاك العرين يشي بوضوح أن الميليشيا اليوم في أضعف حالاتها، وخناق الإمداد يشتد حول رقابها، وأي تردّد أو تسويف أو هدن زائفة لن يكون سوى طوق نجاة تُمنح للقتلة ليعاودوا سفك الدماء. لقد حانت لحظة الخلاص، والوقت أعدل من أي وقت مضى لمواصلة الزحف المقدّس وكسر القيد، لأن إنقاذ الفاشر هو إنقاذٌ لدارفور، واستعادةٌ لكرامة الوطن بكامله.”

وعندما ننقل نداء الدكتور بلدو لقيادة الدولة لنوكد إن استعادة الفاشر ونيالا و الجنينة هو نداء استغاثة من اهل الضحايا المحاصرين هناك و ان عودت تلك المدن المستباحة من المليشيات ليست مجرد نصراً عسكرياً ميدانياً، بل هي الضربة الاستراتيجية التي تقضي على مشروع التقسيم المدعوم من دوائر استخباراتية إقليمية ودولة و إن معركة الفاشر تشكل الحصن الأخير الذي يمنع فرض واقع جديد على الأرض. فالأطروحات والهدن السلمية المطروحة تحت غطاء الدبلوماسية والعمل الإنساني لا تتعدى كونها غطاء لشرعنة وجود الميليشيات، وتفكيك المؤسسة العسكرية والأمنية.

يسعى هذا المخطط إلى تكرار سيناريوهات التفكيك التي شهدتها دول المنطقة، واستكمال ما بدأ بانفصال الجنوب لإقامة دويلات هشة خاضعة للنفوذ الخارجي، ولا تقتصر أهمية هذه المعركة على الجانب السياسي والعسكري، بل تمتد أبعادها بشكل مباشر إلى الاقتصاد الوطني. فالمضاربات الحادة على العملة والتدهور غير المسبوق في قيمة الجنيه لتعود العافية للاقتصاد الوطنى.

إن حسم معركة الفاشر والوصول إلى عمق دارفور سيعيد تشكيل موازين القوى ويفرض ردعاً استراتيجياً يحمي الإرادة الوطنية. والتأخير في هذا الحسم يمنح مشاريع التقسيم فرصة لتثبيت أمر واقع خطير. لذا، فإن تحرير الفاشر يمثل نقطة التحول الحقيقية لبقاء السودان دولة موحدة.