إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ
حسن البصير
▪️تُروى حكايةٌ عن كسرى، ملك الفرس، أنه جمع حاشيته من الوزراء والأعيان، وقال لهم يومًا: «ينبغي لنا أن نصاهر العرب». فانتفضوا مستنكرين، وقالوا في استعلاء: «كيف لنا، نحن الفرس، أن نصاهر الحفاة العراة رعاة الإبل؟». فقد كان الغرور قد استبدّ بهم، حتى ظنوا أن الملك والمال والحضارة تمنح أصحابها منزلةً تعلو على سائر البشر.
▪️لم يُجادلهم كسرى، بل آثر أن يختبر ما خفي من أخلاقهم. فأحضر عقدًا نفيسًا مرصعًا بالياقوت والزمرد، وقال إنّه لمن يتعرّى أولًا. فما هي إلا لحظات حتى تسابق القوم إلى خلع ثيابهم، طمعًا في الجائزة، وتنازعوا بعد ذلك في أحقّيتهم بها، حتى انتهى الأمر إلى اختيار أحدهم لنيلها.
▪️وبعد حين، استدعى كسرى حدّادًا عربيًا، وأحضر أمامه عقدًا ثمينًا، ثم عرض عليه أن يكون ملكًا له، بشرط أن يتعرّى كما ولدته أمّه. فما كان من العربي إلا أن أجابه بأنّه لو مُنح فارس بأكملها وجُعل ملكًا عليها، لما خلع عمامته. عندها التفت كسرى إلى حاشيته، وقال ما معناه إنّهم يملكون الملك والشجاعة، لكنّ الشرف الذي أراد مصاهرة العرب من أجله لا يُشترى بالمال ولا يُنال بالسلطان.
▪️وسواء أصحّت هذه الحكاية أم كانت من القصص التي تتناقلها الألسن للعبرة، فإنّ مغزاها يضعنا أمام سؤال موجع: أين نحن اليوم من القيم التي طالما تغنّى بها العرب، ومن النخوة والمروءة وإباء الضيم ونصرة المظلوم؟
إنّ ما يؤلم في واقعنا العربي ليس ما أصابنا من ضعف وتفرّق فحسب، بل ما أصاب بعض مواقفنا من فتورٍ في نصرة القضايا العادلة، وتراجعٍ في التمسك بالمبادئ التي ورثناها عن أسلافنا. ففي الوقت الذي تتعرض فيه شعوبنا للقتل والتشريد، وتُستباح فيه الأرض والمقدسات، تتباين المواقف العربية بين صمتٍ وتخاذلٍ وارتهانٍ للمصالح والتحالفات، حتى باتت الحسابات السياسية عند بعضهم مقدّمةً على روابط الدين والعروبة وواجب الأخوّة.
▪️وليس العيب في أن تنفتح الأمم على العالم، أو تقيم علاقات مع الغرب وغيره، فالعلاقات تُبنى على المصالح والاحترام المتبادل؛ إنما العيب أن يتحوّل الانفتاح إلى تبعية، وأن تصبح المصالح مبررًا للتنازل عن الحقوق، أو أن يُتخذ التقارب مع الصهاينة ذريعةً لتجاهل آلام الشعوب وحقوق الفلسطينيين.
لقد كان الشرف في حكاية كسرى أثمن من عقدٍ ومملكة، فمتى نستعيد إدراكنا أن كرامة الأمة لا تُقاس بما تملك من ثروات، بل بما تصون من قيم، وما تنصر من مظلومين، وما تفي به من عهود؟ إنّ الأمم لا تسقط حين تفقد المال وحده، بل حين تفقد البوصلة الأخلاقية التي تحفظ لها هويتها وكرامتها.
