الشمالية.. حصن القيم وسدٌّ منيع أمام “حرب التفتيت”
الشمالية.. حصن القيم وسدٌّ منيع أمام “حرب التفتيت”
بقلم: محمد سيد
(سيدونيات)
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
في قلب الأزمات الكبرى التي تعصف بالأوطان، تبرز الولاية الشمالية اليوم كنموذج استثنائي للصمود، حيث لا تُقاس قوة حصونها بعدد المقاتلين أو كثافة النيران فقط، بل بصلابة نسيجها الاجتماعي الذي وقف سداً منيعاً أمام محاولات التفتيت بعد أن عجزت قوى التمرد عن اختراقها عسكرياً. لقد أدرك المتربصون بكيان هذا الوطن أن كسر إرادة المجتمعات المستقرة لا يتطلب بالضرورة اجتياحاً عسكرياً، بل يمكن أن يتحقق عبر حروب خفية تستهدف القيم والشباب.
لقد برزت في المشهد قوى سياسية تدعي سودانيتها، وهي في حقيقتها منبتة الصلة عن أصل السودان وهمومه، فلم يكن همها سوى وقف عجلة الإنتاج والتطور، وتدمير كافة مناحي الحياة في بلادنا. وبعد أن لفظها الشعب السوداني الأبيّ وألقى بها في مزبلة التاريخ، لجأت هذه الكيانات المرفوضة إلى استمالة ضعاف النفوس من تجار المخدرات وأصحاب الأهواء الخربة، ليكونوا وقوداً لمشروعهم الإجرامي الهادف لتعطيل مسيرة النماء. ومن أبرز مظاهر هذا العبث ما قامت بتأسيسه مجموعة متطرفه تتبنى أجندة هذه الكيانات المرفوضة، حيث تسعى لعرقلة شريان الحياة في الولاية الشمالية، واضعةً العراقيل أمام حركة الوطن لخدمة أهداف لا تمت لمصلحة البلاد بصلة.
إن الزج بالمخدرات كـ “سلاح” بات نهجاً مفضوحاً لقوى البغي والعدوان، المتمثلة في الميليشيا المتمردة وأعوانها من تلك الكيانات العلمانية التي لا هم لها سوى تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني. إن كل نواياهم وكل مخططاتهم باتت مكشوفة أمام شعب السودان عامة، وشعب الولاية الشمالية خاصة؛ تلك المخططات التي تحاول استهداف صمام أمان الوطن، حيث يقف اليوم إنسان الشمال والولاية الشمالية، إلى جانب القوات المسلحة، وجهاز الأمن والمخابرات العامة، والشرطة، والقوات المشتركة، وكافة المستنفرين، كحراس أوفياء لهذه الديار وللبوابة الشمالية أمام أي اختراق.
لقد كان اللجوء إلى إغراق المناطق الآمنة بهذه السموم هو الوجه القبيح لمعركةٍ قذرة يراد بها النيل من عصب الحياة في هذه الولاية، التي ظلت طوال تاريخها منارة للقيم والتكافل. ولعل أعظم دليل على طهر هذه الأرض وسمو أهلها، هو احتضان الولاية الشمالية للاجئين والنازحين من كافة أصقاع السودان، بما في ذلك أهلنا من دارفور، حيث قدم لهم أهالي الشمال المأوى والمأكل والمشرب، راسمين بذلك لوحة سودانية فريدة تؤكد للعالم أجمع أن السودان لا يزال بخير، وأن نسيجه الوطني أمتن من أن تمزقه معاول الهدم.
إن معركة التصدي لهذه الآفة ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي استنفار أخلاقي يمتد ليشمل كل بيت ومؤسسة في الولاية؛ ففي كل قرية وكل حي، تبرز الحاجة اليوم إلى تفعيل أدوار الإدارة الأهلية والمبادرات الشبابية لتكون عين الساهر التي لا تغفل عن الغريب والدخيل. ستظل الولاية الشمالية عصية على كل من طغى وتجبر، وعلى كل من تسول له نفسه المساس بسوداننا الحبيب.
إن الشمالية اليوم لا تدافع عن حدودها الجغرافية فحسب، بل تدافع عن مستقبل السودان ككل، مقدمةً درساً في كيف يمكن للتماسك الاجتماعي أن يكون السلاح الأقوى في مواجهة المخططات التي تهدف لتقويض الدولة. وعبر هذا الترابط الوثيق، يظل أبناء الشمالية كبنيان مرصوص، يثبتون يوماً بعد يوم أن إرادة الشعوب الحية قادرة على كسر شوكة اليائسين، وأن أمنهم المجتمعي هو خط أحمر لن يجرؤ تجار السموم أو أعداء الوطن على تجاوزه، طالما ظل روح النفير والمسؤولية الجماعية تنبض في قلوبهم.
