تجريم الإمارات.. نقطة تحوُّل..!! تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
انتقل البرلمان الأوروبي من لغة الإدانة العامة للتدخلات الخارجية إلى تسمية الدولة الداعمة للمليشيا، مطالباً الإمارات العربية المتحدة صراحة بوقف أي تمويل أو تسليح أو أي شكل آخر من أشكال الدعم لمليشيا الدعم السريع، في تحول سياسي ودبلوماسي يحمل دلالات تتجاوز حدود القرار نفسه، ويعيد طرح أسئلة جديدة حول مستقبل الضغوط الدولية على الجهات المتهمة بإطالة أمد الحرب.
وضوح:
ويصف كثير من المراقبين الخطوة بأنها الأكثر وضوحاً منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل ٢٠٢٣م، فالقرار الصادر في التاسع من يوليو الجاري لم يكتف بإدانة التدخلات الخارجية، وإنما دعا أيضاً إلى فرض عقوبات على الأفراد والكيانات والممكنين الخارجيين المتورطين في الصراع، كما سمّى شركة “مجموعة خدمات الأمن العالمية” وطالب باتخاذ إجراءات بحقها على خلفية اتهامات بخرق حظر الأسلحة المفروض على السودان، إلى جانب دعوة الاتحاد الأوروبي للعمل مع مجلس الأمن الدولي لتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان، ويرى المراقبون أن أهمية القرار لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في كسره للمحظور السياسي الذي ظل يحيط بملف الدعم الخارجي للحرب، إذ إنها المرة الأولى التي تسمّي فيها مؤسسة أوروبية بهذا المستوى الإمارات بالاسم باعتبارها طرفاً ينبغي أن يوقف دعمه لميليشيا الدعم السريع.
تأخِّر ولكن:
إن تأتي متأخراً، خيرٌ من ألا تأتي مطلقاً، ذلك أن الخطاب الأوروبي، ظل طوال الأشهر الماضية يتحدث عن التدخلات الخارجية بصيغة عامة، دون تحديد أسماء الدول المتهمة بدعم التمرّد، وهو ما كان يثير انتقادات متكررة من الحكومة السودانية التي ظلت تؤكد أن الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن الدعم الخارجي الذي تتلقاه مليشيا الدعم السريع والذي يتسبب في إطالة أمد الحرب وارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم، وجاء القرار الجديد ليحدث تحولاً واضحاً في هذه المقاربة، إذ لم يكتف بالدعوة إلى وقف الحرب، بل انتقل إلى تسمية الإمارات بصورة مباشرة، كما وسّع دائرة المسؤولية لتشمل الممولين والممكنين الخارجيين، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تحركات أوروبية لاحقة قد تتجاوز الإدانة السياسية إلى إجراءات أكثر صرامة.
تفاعل واسع:
وأثار قرار تسمية الإمارات للمرة الأولى كدولة ضالعة في حرب السودان، موجةً واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي السودانية، حيث اعتبره كثير من الناشطين والسياسيين أول اعتراف أوروبي صريح بالرواية التي ظلت الخرطوم تطرحها منذ اندلاع الحرب بشأن وجود دعم خارجي لميليشيا الدعم السريع، وتصدرت مقتطفات القرار صفحات النشطاء، بينما رأى كثيرون أن الخطوة تمثل تحولاً مهماً في المزاج الدولي، بعد سنوات من استخدام عبارات فضفاضة تتحدث عن أطراف خارجية دون تسمية، وفي المقابل، اعتبر آخرون أن القرار، على أهميته السياسية، سيظل بحاجة إلى ترجمة عملية عبر عقوبات وإجراءات تنفيذية حتى يحقق أثراً حقيقياً على مسار الحرب.
صمت غريب:
ويعيد القرار الأوروبي إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردّد طوال سنوات الحرب: لماذا تجنبت غالبية المؤسسات الدولية تسمية الإمارات رغم تراكم التقارير التي تحدثت عن شبكات الإمداد العسكري؟ فالأمم المتحدة، رغم تقارير خبرائها، لم تتبنَّ موقفاً صريحاً بتسمية الإمارات، كما ظلت المنظمات الدولية والإقليمية، بما فيها الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي، تستخدم لغة فضفاضة تتجنب فيها الإشارة المباشرة إلى أي دولة، كما لم تشهد شكوى السودان أمام مجلس الأمن الدولي تطوراً ملموساً، في حين لم تفضِ الشكوى التي رفعتها الخرطوم أمام محكمة العدل الدولية إلى نتائج عملية حتى الآن، وظل هذا التحفظ الدولي، محل انتقاد داخل السودان، خاصة في ظل ما نشرته تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية، إلى جانب مواقف عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، بشأن شبكات الدعم والإمداد العسكري لميليشيا الدعم السريع.
دلالات التوقيت:
ويطرح القرار الأوروبي تساؤلات عديدة بشأن توقيته، وما إذا كان يعكس تحولاً أوسع في الموقف الدولي من الحرب السودانية، ويأتي القرار في وقت تشهد فيه الأزمة السودانية حراكاً دبلوماسياً متزايداً، بالتزامن مع المبادرة الأمريكية الأخيرة التي طرحها المستشار الأمريكي مسعد بولس خلال لقائه وزير الخارجية محي الدين سالم في القاهرة، والهادفة إلى فتح مسار جديد لمعالجة الأزمة السودانية، كما يتزامن القرار الأوروبي مع تصاعد التحذيرات الإنسانية، واستمرار الحصار الذي تفرضه ميليشيا الدعم السريع على مدينة الأبيض، وتزايد الضغوط داخل الأوساط الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه الجهات التي تسهم في استمرار الحرب، ويرى محللون أن تسمية الإمارات قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من التنسيق بين العواصم الغربية في التعامل مع الملف السوداني، تقوم على تحميل المسؤولية بصورة أكثر مباشرة للأطراف المتهمة بتغذية الصراع.
دبلوماسية نشطة:
ويبدو واضحاً أن التحول الذي طرأ علي الموقف الأوروبي تجاه الأزمة السودانية وصولاً إلى قرار التاسع من يوليو، إنما يعود إلى جهود دبلوماسية متعاظمة بذلتها بعثة السودان لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل بقيادة السفير عبد الباقي حمدان كبير، الذي قاد، بمعاونة فريق البعثة من الدبلوماسيين والمستشارين والفنيين والإداريين، سلسلة من اللقاءات والاتصالات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، ووفقاً لمصادر دبلوماسية، عملت البعثة على تقديم مذكرات ووثائق وأدلة تتعلق بمسار الحرب، مع شرح الموقف الرسمي السوداني وإبراز البراهين والأدلة الدامغة على ضلوع الإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع، الأمر الذي أسهم في تغيير كثير من المفاهيم السائدة داخل دوائر صنع القرار الأوروبي، ومهّد الطريق لاعتماد الرواية السودانية بصورة أكثر وضوحاً في الخطاب الأوروبي.
ما بعد القرار:
ورغم أن قرار البرلمان الأوروبي لا يترتّب عليه تلقائياً فرض عقوبات، إلا أن مراقبين يرون أنه يشكل أرضية سياسية يمكن البناء عليها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، سواء عبر استهداف أفراد وكيانات جديدة بالعقوبات، أو تشديد الرقابة على شبكات التمويل والإمداد، أو الدفع نحو مواقف أكثر حزماً داخل مجلس الأمن الدولي، كما أن القرار قد يشجع مؤسسات وكيانات وبرلمانات أخرى على مراجعة مقاربتها للحرب السودانية، خصوصاً بعد أن أصبح الحديث عن الدعم الخارجي أكثر مباشرة وأقل تحفظاً مما كان عليه في السابق.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى من المبكر الحكم على الآثار العملية لهذا التحول الأوروبي تجاه قضية الحرب في السودان، ولكن يظل التاسع من يوليو 2026م، تاريخاً فارقاً في الخطاب الدولي تجاه أزمة الحرب، فبعد نحو أربع سنوات من استخدام عبارات عامة عن “التدخلات الخارجية”، اختار البرلمان الأوروبي للمرة الأولى أن يسمي دولة الإمارات بالاسم، في خطوة قد لا توقف الحرب وحدها، لكنها بلا شك تعيد رسم خريطة النقاش الدولي حول المسؤولية عن استمرارها، وتفتح الباب واسعاً أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من توصيف الأزمة إلى مساءلة من يغذونها.
