8 يوليو

المنــافقون والكــذابين | ياسر محمد محمود البشر

شاهد عيان يوليو 8, 2026
شارك الخبر:

شــــــــــــوكة حـــــــــــوت
المنــافقون والكــذابين
ياسرمحمدمحمود البشر

فى دهاليز الإدارات المعاصرة وكواليس صناعة القرار لم تعد الكفاءة تُقاس دائماً بالأرقام المجردة أو بالحقائق الثابتة بل أصبحت تُقاس أحياناً بمدى قدرة الموظف على تشكيل الحقيقة وتلوينها لترضى عنها عين المسؤول الأعلى هذه الجدلية الأزلية تجسدت فى واقعة رمزية جرت داخل أروقة إحدى الشركات عندما طرح مدير سؤالاً يبدو فى ظاهره غبياً وفى باطنه فخاً محكماً حيث سأل ثلاثة من موظفيه: هل ٢+٢ =٥؟ فى الحقيقة تنوعت الإجابات بتنوع سيكولوجية الموظفين وولاءاتهم فالموظف الأول لم يتردد فى إلقاء منطق العقل جانباً وهتف مسرعاً نعم يا سيدى تساوى ٥ بينما حاول الموظف الثانى إمساك العصا من المنتصف بذكاء يجمع بين الولاء والمنطق فقال نعم يا سيدى تساوى ٥ إذا أضفنا إليها ١ أما الموظف الثالث الذى كان ينظر إلى العالم بنظارات بيضاء ناصعة فقد تمسك بالحقائق الرياضية الصارمة وأجاب بكل ثقة لا يا سيدى هذا خطأ إنها تساوى ٤.

ولم يمر على هذا الحوار سوى ليلة واحدة حتى استيقظ الموظفون في اليوم التالى ليجدوا مقعد زميلهم الثالث شاغراً وبإلحاح السؤال وعلامات الاستفهام التى ارتسمت على الوجوه علم الجميع أنه قد تم الاستغناء عنه وفصله من العمل هذا الإجراء الصادم دفع نائب المدير الذى لم يستوعب منطق الإقالة ليتوجه إلى المدير متسائلاً بفضول ودهشة يا سيدى لماذا تم الاستغناء عن الموظف الثالث بالذات وهو الوحيد الذي قال الحق جاء رد المدير فلسفياً يحمل في طياته تشريحاً صادماً لبيئات العمل الفاسدة حيث قال أما الأول فهو كذاب ويعلم أنه كذاب وهذا النوع مطلوب لتمهيد القرارات وتمريرها دون معارضة وأما الثانى فهو ذكى ويعلم أنه ذكى وهذا النوع مطلوب لإيجاد المبررات والثغرات القانونية والمنطقية للأخطاء وأما الثالث فهو صادق ويعلم أنه صادق وهذا النوع متعب ويصعب التعامل معه لأنه يشكل تهديداً دائماً لسطوة القرار ومقصلة تكشف زيفنا.

ولم تنتهِ الدراما الفلسفية عند هذا الحد بل أراد المدير الشغوف بالسيطرة أن يختبر الرجل الذي يليه في الهرم الإدارى مباشرة فالتفت إلى نائبه وسأله ببرود والآن أخبرنة أنت هل ٢+٢=٥ فى تلك اللحظة كان النائب قد فهم اللعبة تماماً وعرف مصير الصادقين فما كان منه إلا أن انحنى فكرياً وقال سمعت قولك يا سيدى وعجزت عن تفسيره فمثلى لا يستطيعون تفسير قول عالم ابتسم المدير ابتسامة الرضا التى يبحث عنها كل طاغية إدارى وعقّب قائلاً وذلك النوع منافق وهذا النوع محبوب ومقرب جداً إنها الإجابة النموذجية التي تضمن البقاء فى مناصب السُلطة حيث يتحول النفاق إلى مهارة دبلوماسية وتصبح القدرة على مسايرة أهواء الرؤساء وتأليه آرائهم هى بطاقة العبور الآمنة نحو الترقى والاستمرار.

تُقدم لنا هذه الحكاية المريرة مرآة عاكسة لواقع مؤلم يعيشه الكثير من الشرفاء والمخلصين فى بيئات عمل مختلفة واقع تلوت فيه المفاهيم واختلت فيه الموازين فى هذا الزمن لم يعد الصدق منجاة فى عرف الإدارات العقيمة بل أصبح تهمة تستوجب الإقصاء لأن الحقيقة صخرة صلبة تتكسر عليها أوهام المديرين النرجسيين الذين يحيطون أنفسهم ببطانة من المداهنين إننا نعيش فى مرحلة غريبة من تاريخ المؤسسات حيث يبدو وكأن كل جميل قد بات قبيحاً وكل سلوك محمود صار مكروهاً ومنبوذاً لقد أفرزت ثقافة المواجهة بـ ٤ خطأ والمداهنة بـ ٥ صواب زمناً غريباً يُصبح فيه التافه مرموقاً يُشار إليه بالبنان ويُرفع فيه اللص والخائن للأمانة على الأعناق فى حين يُترك الشريف الصادق مكسور الجناح مطروداً من جنة التقدير الوظيفى.

نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة

إن حكاية ٢+٢=٥ ليست مجرد نكتة إدارية أو تندر يتداوله الموظفون في استراحاتهم بل هي صرخة تحذيرية من مآلات انهيار القيم داخل المنظومات وإذا استمرت المؤسسات في تقريب المنافقين وإقصاء الصادقين فإنها لا تقصى أفراداً فحسب بل تغتال بوعى أو بدون وعى مستقبلها وتطورها لتظل تدور في حلقة مفرغة من الأكاذيب المشرعنة التي لن تصنع يوماً نجاحاً حقيقياً.

ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة

كم منافق وكم كذاب خطر ببالك الآن.

مواضيع ذات صلة