ياسر محمد محمود البشر | جـريـمة بـلفاسـت جريمة فردية قبل الإندماج
شّــــــــوكة حـــــــوت
جـريـمة بـلفاسـت
جريمة فردية قبل الإندماج
ياسر محمد محمود البشر
شهدت العاصمة أيرلندا الشمالية بلفاست حادثة مأساوية هزت الأوساط المحلية والدولية، تمثلت فى إقدام مهاجر من أصول سودانية على محاولة ذبح مواطن أيرلندى هذه الجريمة رغم كونها حادثة فردية إلا أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام نقاشات معقدة تتداخل فيها السياسة والأمن وعلم الاجتماع الجنائى لتعيد إلى الواجهة تحديات اللجوء والاندماج في المجتمعات الغربية ولقيت الحادثة استهجاناً ورفضاً شعبياً جارفاً من مختلف مكونات المجتمع فى أيرلندا الشمالية حيث سادت حالة من الصدمة والغضب بين المواطنين وتداعى السكان للتعبير عن تضامنهم مع الضحية مؤكدين أن مثل هذه السلوكيات العنيفة غريبة على قيم التسامح والتعايش التى يحاول الإقليم ترسيخها بعد عقود من الصراعات التاريخية الداخلية.
وفى أول رد فعل رسمى سريع وحاسم وصف رئيس الوزراء الحادثة بالبشعة مستنكراً بقوة هذا الفعل الإجرامى الذى يهدد السلم المجتمعى وفى الوقت ذاته سارع أعضاء البرلمان إلى إطلاق تحذيرات صارمة من عدم الانجرار وراء خطاب الكراهية ضد المهاجرين داعيين إلى ضرورة فصل الجريمة الفردية عن مجمل الجاليات المهاجرة التي تساهم إيجاباً في إعمار البلاد ومهما كانت الدوافع أو الأسباب الكامنة وراء هذا الاعتداء فإنها تظل جريمة من الجرائم الكبيرة والخطيرة التى لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف إن المساس بالحق فى الحياة والأمان الشخصى يمثل خطاً أحمر فى القوانين الدولية والمحلية مما يجعل الجانى تحت طائلة القانون الصارم بعيداً عن أى مبررات تخفيفية قد تساق في هذا السياق وإذا نظرنا إلى تفاصيل الجريمة نجد أن السلاح المستخدم كان مجرد سكين مطبخ عادى وهو أداة منزلية متوفرة في كل مكان لكنها تحولت هنا إلى أداة قتل فتاكة وبالنظر إلى البيئة الثقافية والاجتماعية التى أتى منها المهاجر السودانى نجد أن حمل السكين أو استخدامها يعد أمراً شائعاً وطبيعياً في الحياة اليومية بل إنها أداة تستخدمها كثير من النساء السودانيات في الأعمال المنزلية والدفاع عن النفس دون أى أبعاد جرمية مسبقة.
ومع ذلك لا يمكن فصل سلوك الجانى عن السياق الدمى الأوسع المرتبط بالحرب الكارثية الجارية فى السودان والتى أنتجت مستويات غير مسبوقة من العنف والفظائع إن مشاهد القتل والانتهاكات اليومية هناك والتي بلغت حد تباهى بعض أفراد المليشيا مثل المدعو أبو لؤلؤ وغيره بقتل أكثر من ألف مواطن بمفردهم تخلق بيئة مشبعة بالصدمات النفسية وتراجع قيمة الحياة البشرية لدى بعض الأفراد إن هذه الخلفية العنيفة والظروف القاسية التي يفر منها المهاجرون تترك ندوباً نفسية غائرة قد تنفجر بشكل غير متوقع في بيئات اللجوء الجديدة فالصدمات التراكمية الناتجة عن معايشة الحرب والدمار قد تؤدي إلى اضطرابات سلوكية حادة تجعل من السهل على الفرد اللجوء إلى العنف كوسيلة بدائية للتعامل مع الضغوط أو الخلافات ومن هذا المنطلق سيجد علماء علم الإجرام والنفس الجنائى فى هذه الحادثة فرصة غنية ونموذجاً للدراسة والتحليل للوقوف على شخصية الجانى وفهم تركيبته النفسية ستتركز الدراسات حول كيفية تأثير البيئة الأصلية التي هاجر منها الفرد ودرجة التشبع بالعنف الناتجة عن الحروب على سلوكه الإجرامى فى مجتمعات المهجر المستقرة.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
تفرض هذه الحادثة على السلطات في الدول المضيفة ضرورة إعادة النظر فى كيفية التعامل مع المهاجرين واللاجئين مستقبلاً ليس من الناحية الأمنية فحسب بل من خلال تقديم الدعم النفسى وإعادة التأهيل إن استيعاب القادمين من مناطق الحروب يتطلب برامج دمج عميقة تعالج آثار الحرب لضمان سلامة المجتمع المضيف وتفادي تكرار مثل هذه المآسى.
ربــــــــــع شـــــــوكة
الجريمة لا قوالب محددة لها فإنها تقع فى أى زمان وأى مكان والمجرم واحد وتتعدد الأسباب.
