22 مايو

موطئ قلم | د. أسامة محمد عبدالرحيم

شاهد عيان مايو 22, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

محاولات تشويه الجيش السوداني… بوابة تفكيك الدولة

في الحروب، قد لا يُستهدف الجيش دائمًا بالمواجهة في ميادين القتال، بل يحدث أن يُستهدف أحيانًا في صورته ومعناه وموقعه داخل وعي شعبه. وحين تبدأ معركة إعادة تعريف المؤسسة العسكرية، فإن الصراع يكون قد تجاوز الميدان إلى محاولة إعادة تشكيل الدولة نفسها، وإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الدولة والفوضى، وبين المؤسسة والمليشيا، وبين الوطن بوصفه كيانًا جامعًا، والقوة بوصفها أداةً للهيمنة والابتلاع.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتوقف ماكينة الدعاية السياسية والإعلامية التابعة لمليشيا الدعم السريع، ومن يقف خلفها إقليميًا من قوى ترى في إضعاف الجيش السوداني مدخلًا لإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل السودان والمنطقة، عن محاولة تقديم الجيش السوداني أمام الرأي العام المحلي والخارجي باعتباره “جيش الحركة الإسلامية” أو “جيش الإخوان المسلمين”، لا بوصفه جيش الدولة ومؤسستها العسكرية الوطنية.

ولم تكن هذه الرواية مجرد توصيفٍ سياسي عابر، بل شكّلت جزءًا أصيلًا من أدوات الحرب نفسها؛ إذ سعت إلى نقل الصراع من كونه مواجهةً بين الدولة ومليشيا مسلحة، إلى معركةٍ يجري تصويرها باعتبارها صدامًا بين “مشروع مدني” و”تنظيم أيديولوجي ديني”. وهكذا تحولت المعركة الإعلامية إلى محاولةٍ مستمرة لفصل الجيش عن رمزيته الوطنية، وربطه بهويةٍ تنظيمية ضيقة، بما يسمح بإضعاف صورته داخليًا، وتبرير استهدافه خارجيًا.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تنخرط في هذا الخطاب، بدرجاتٍ متفاوتة، منصاتٌ إعلامية وكياناتٌ سياسية ومجموعاتٌ تنتمي إلى صمود وتقدّم وتأسيس وبقايا قحت، سواء عبر الاصطفاف العلني، أو عبر خطاب “الحياد” الذي انتهى عمليًا إلى تبنّي كثيرٍ من سرديات الحرب الموجهة ضد المؤسسة العسكرية.

وفي السياق نفسه، جرى استدعاء العلاقة مع إيران بصورةٍ مكثفة، ومحاولة وضع الجيش السوداني والحركة الإسلامية والحرس الثوري الإيراني داخل إطارٍ واحد، بهدف تكريس صورة ذهنية توحي بوجود “حلفٍ للتطرف الديني والإرهاب”، على نحوٍ يخدم الدعاية السياسية أكثر مما يستند إلى قراءةٍ موضوعية لطبيعة الدولة السودانية وتعقيداتها وتاريخ مؤسساتها.

غير أن هذه المحاولات—على كثافتها—تصطدم بحقائق أكثر رسوخًا من الدعاية السياسية العابرة. فالجيش السوداني لم ينشأ بوصفه جيش جماعة، ولا جيش حزب، ولا جيش تيارٍ فكري بعينه، بل هو مؤسسة وطنية ضاربة الجذور في تكوين الدولة السودانية الحديثة، تشكّلت عبر عقود طويلة من تاريخ البلاد، وضمّت في داخلها أبناء السودان بكل تنوعهم الجغرافي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

وقد مرّت على السودان أنظمةٌ سياسية متعددة، مدنية وعسكرية، يسارية وقومية وإسلامية، وبقي الجيش—رغم ما قد تتعرض له أي مؤسسةٍ في الدول المضطربة من تأثيرات سياسية—أكبر من أن يُختزل في تنظيم، وأعمق من أن يتحول إلى ذراعٍ أيديولوجية مغلقة. فوجود أفراد أو تيارات داخل أي مؤسسة، لا يعني بالضرورة تحوّل المؤسسة نفسها إلى كيانٍ تنظيمي تابع لها.

والحقيقة التي يتجاهلها كثيرون عمدًا، أن الجيش السوداني ظلّ—برغم الأزمات والانقسامات والحروب التي مرّت بها البلاد—المؤسسة الأكثر تماسُكًا وقدرةً على الحفاظ على فكرة الدولة نفسها. ففي اللحظات التي انهارت فيها قوى سياسية، وتفككت حركات، وتبدلت تحالفات، وانشغلت جماعاتٌ بالصراع على السلطة والنفوذ، بقي الجيش هو العمود الذي تستند إليه الدولة في منع الانهيار الكامل.

والمعركة الحقيقية لم تعد حول من يحكم السودان فقط، بل حول ما إذا كانت الدولة نفسها ستبقى قائمة بمؤسساتها الوطنية، أم تُستبدل ببنية المليشيات والتحالفات العابرة للحدود. ولهذا فإن استهداف الجيش إعلاميًا لا يمكن فصله عن استهداف الدولة السودانية ذاتها. لأن ضرب الثقة في المؤسسة العسكرية، وتحويلها في الوعي العام إلى مجرد “مليشيا أيديولوجية”، يفتح الباب عمليًا أمام شرعنة المليشيات الموازية، وتفكيك فكرة الجيش الوطني، وإعادة إنتاج نموذج الدولة المنهارة التي تتقاسمها الجماعات المسلحة وشبكات النفوذ الإقليمية.

وليس من الصعب فهم الدوافع الكامنة وراء هذا الإصرار على ربط الجيش السوداني بالإسلام السياسي. فبعض القوى الإقليمية—وفي مقدمتها الإمارات—تدرك أن تقديم الجيش السوداني بوصفه امتدادًا لـ“الإسلاميين” أو “الإخوان المسلمين”، يسهّل تسويق الحرب سياسيًا وأمنيًا أمام قوى دولية وإقليمية مؤثرة، خاصة في ظل الحساسية الغربية والإسرائيلية تجاه الحركات ذات المرجعيات الإسلامية. كما أن إضعاف الجيش السوداني، وتفكيك بنيته الصلبة، وإهلاك قدراته العسكرية والتقنية، وهدم ما راكمه السودان عبر عقود في مجالات التصنيع الدفاعي وبناء القدرات العسكرية، يفتح الطريق أمام إعادة تشكيل السودان كدولةٍ ضعيفة يسهل التحكم في قرارها السياسي، والسيطرة على مواردها وثرواتها، وإلحاقها بمحاور النفوذ الإقليمي والدولي.

أما بعض الكيانات السياسية المنخرطة في هذا الخطاب، فهي—في جانبٍ من دوافعها—تحاول ركوب الموجة ذاتها، ليس فقط بحسابات الخصومة السياسية، بل أيضًا نتيجة إدراكها لضعف قدرتها على المنافسة الشعبية الحقيقية أمام التيارات الإسلامية داخل المجتمع السوداني. ولذلك بدا الانخراط في خطاب “شيطنة الجيش” و”تخويف الخارج من الإسلاميين” وسيلةً لكسب التعاطف والدعم السياسي والإعلامي والتمويل من بعض القوى الدولية والإقليمية، أكثر من كونه تعبيرًا عن مشروعٍ وطني متماسك لإدارة الدولة وإعادة بنائها.

والمفارقة اللافتة، أن الذين يهاجمون الجيش بوصفه “جيش الحركة الإسلامية”، يتجاهلون عمدًا أن المليشيا التي يخوض ضدها الحرب قامت أصلًا على أساسٍ قبلي وجهوي وشخصاني، وأنها لم تُبنَ على عقيدةٍ عسكرية وطنية، ولا على مفهوم الدولة، بل على شبكات المصالح والولاءات الخاصة، وعلى مشروع قوةٍ موازية حاولت ابتلاع الدولة نفسها. وهنا يصبح الخلط بين الجيش والمليشيا ظلمًا للمعنى قبل أن يكون ظلمًا للمؤسسة.

إن الجيوش المهنية لا تُقاس بالكمال المطلق، ولا تُعفى من النقد أو المراجعة أو الإصلاح، فكل مؤسسات الدولة تحتاج دائمًا إلى التطوير والتقويم. لكن الفرق كبير بين نقد الأداء، ومحاولة هدم الفكرة الوطنية للمؤسسة نفسها. فحين يتحول الخطاب من الدعوة إلى الإصلاح، إلى التشكيك في أصل شرعية الجيش ووطنيته، فإن الأمر لا يعود نقاشًا سياسيًا طبيعيًا، بل يصبح جزءًا من معركة أوسع تستهدف إعادة تشكيل الدولة السودانية من جذورها.

ويظل الجيش السوداني—برغم الجراح الثقيلة التي أصابت البلاد، وبرغم محاولات الاختراق والتشويه والاستنزاف—جيشًا قوميًّا وطنيًّا، وجيشًا مهنيًّا محترفًا، يضم في صفوفه أبناء السودان بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم، ويظل صمام أمان البلاد ورباط وحدتها، والسياج الأخير الذي يحول دون انزلاق السودان الكامل إلى الفوضى والتشظي.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو مليشيا الدعم السريع أبعد ما تكون عن مفهوم المشروع الوطني أو المؤسسة العسكرية ذات العقيدة الجامعة؛ فهي، في جوهرها، تكوينٌ مسلح تحكمه شبكات المصالح والتمويل والارتزاق، ويتحرك وفق حسابات القوة والدعم الخارجي أكثر مما يتحرك وفق فكرة الدولة أو المصلحة الوطنية. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول إلى أداةٍ تُستخدم ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، وإلى مطيةٍ لمشروعات تستهدف السيطرة على السلطة والثروة، ولو كان الثمن هو تفكيك السودان نفسه وإغراقه في حربٍ طويلة تستنزف دولته ومجتمعه ومستقبله.

فالأوطان التي تفقد جيشها القومي، لا تفقد مؤسسةً عسكرية فقط، بل تفقد آخر ما يُبقي فكرة الدولة متماسكة في وجه الانهيار، وتتحول—بمرور الوقت—إلى ساحاتٍ مفتوحة للقوى المسلحة والولاءات العابرة والمصالح المؤقتة. ولهذا فإن الدفاع عن قومية الجيش السوداني، ليس دفاعًا عن جماعةٍ أو سلطةٍ أو مرحلةٍ سياسية، بل دفاعٌ عن بقاء السودان نفسه، وعن حق هذا الوطن في أن يظل وطنًا موحدًا لا ساحةً للفوضى والتفكك والاقتسام.

وحين يتحول الجيش الوطني إلى هدفٍ للحرب النفسية والسياسية، تكون الدولة نفسها قد دخلت مرحلة الدفاع عن وجودها، لا عن سلطتها فقط. فالجيش الوطني ليس تفصيلًا داخل الدولة السودانية، بل هو آخر ما يمنع السودان من التحول إلى جغرافيا بلا دولة.

الجمعة 22 مايو 2026م

مواضيع ذات صلة