دبابيس حارة📌
المليشيا المتمردة وفقدان البوصلة
كتب عثمان يونس
لم يعد المشهد كما كان في بدايات التمرد، حين كانت الشعارات ترفع عاليا وتسوق الأوهام على أنها مشروع خلاص. اليوم، تبدو المليشيا وكأنها تتحرك بلا اتجاه، تفقد بوصلتها السياسية والعسكرية والأخلاقية في آن واحد ، وتغرق أكثر في مستنقع الفوضى التي صنعت زورا وبهتانا .
فقدان البوصلة لا يظهر فقط في تشتت العمليات أو تضارب التصريحات، بل يتجلى بوضوح في طبيعة الأهداف التي باتت تستهدف. حين تتحول البنادق من مواجهة عسكرية إلى استهداف المواطن الأعزل، وحين تصبح القرى والأسواق ووسائل النقل أهدافا سهلة، فإن ذلك لا يعكس قوة، بل يكشف حالة ارتباك عميقة وعجزا عن تحقيق أي مكسب حقيقي على الأرض. إنها لحظة انكشاف ، حيث يسقط القناع وتظهر الحقيقة بلا رتوش.
المليشيا التي كانت تدعي امتلاك مشروع، أصبحت اليوم رهينة ردود الأفعال ، تتحرك بدافع الانتقام أكثر من أي حسابات استراتيجية . تضرب هنا وهناك، بلا أثر يذكر سوى مزيد من الألم الإنساني، ومزيد من القطيعة بينها وبين المجتمع الذي تدعي تمثيله. ومع كل انتهاك، تتآكل ما تبقى من أي تعاطف محتمل، وتتسع الهواة بينها وبين الناس.
ومع اشتداد الضربات المتتالية في محاور كردفان ودارفور، تتكشف هشاشة هذا التمرد أكثر من أي وقت مضى . فالميدان لم يعد يحتمل المناورات المرتبكة أو التحركات العشوائية ، بل يفرض واقعا قاسيا على من فقدوا القدرة على التخطيط أو حتى الحفاظ على تماسكهم الداخلي. هذه الضربات لم تزد المشهد إلا وضوحا تراجع في السيطرة، وارتباك في القيادة، ومحاولات يائسة لتعويض الخسائر عبر استهدافات لا تغير موازين القوى.
في الميدان ، تتضح ملامح التيه أكثر . القيادات تتساقط أو تختفي ، والقرارات تبدو متخبطة، والرسائل متناقضة . لا رؤية واضحة ، ولا هدف يمكن الدفاع عنه. فقط محاولات مستمرة لإثبات الوجود، حتى لو كان الثمن أرواح الأبرياء وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة .
أما سياسيا ، فإن العزلة تتعمق يوما بعد يوم. المجتمع لم يعد يرى في هذه المليشيا سوى مصدر تهديد مباشر ، والمحيط الإقليمي والدولي بات أكثر إدراكا لحقيقة ما يجرى . لا شرعية تبنى على أنقاض القرى ، ولا مستقبل يُصنع عبر ترهيب المدنيين.
إن فقدان البوصلة ليس مجرد حالة عابرة ، بل هو مؤشر على نهاية طريق. فالحركات التي تنفصل عن واقع شعبها ، وتختار العنف بديلا عن أي مسار آخر، سرعان ما تجد نفسها في مواجهة الجميع، بلا سند، وبلا أفق.
يعد هذا المشهد القاتم ، يبقى الأمل معقودا على وعي الناس وصمودهم، وعلى قدرة المجتمع على تجاوز هذه المرحلة القاسية . فالتاريخ لا يرحم من يضل الطريق، ولا يخلد إلا من تمسك بالحق ، مهما طال الزمن واشتدت المحن .













Leave a Reply