من أعلى المنصة
ياسر الفادني
كان سكت اتبوم… وإن اتكلم اتلوم!
يُحكى أن أبا نواس دخل يوماً على أحد الولاة، فوجده يُكثر الكلام ويُقلّ الفعل، فقال له: يا مولاي، لو كان الثرثارون يُقيمون دولة، لصرنا ملوك الأرض، ولو كان الصراخ يُطعم الشعوب، لشبع الفقراء من ضجيجك، فضحك الحضور، واغتاظ الوالي، لأن السخرية حين تُعرّي، تترك صاحبها واقفاً بلا جلد
وهكذا تماماً تبدو قحت اليوم: جسداً سياسياً يثرثر حتى التخمة، ويعجز حتى الهزال، ويصرخ حتى الصمم، ثم يتساءل بدهشة مصطنعة: لماذا لا يصدّقنا الناس؟
يقول المثل السوداني: كان سكت اتبوم، وإن اتكلم اتلوم، وهو مثل كُتب خصيصاً لهذه الكتلة السياسية التي لا تُحسن فضيلة الصمت، ولا تجيد شرف الكلام، فإذا صمتت كانت بومةً رابضة على خرائب الذاكرة الوطنية، ثقيلة الظل، كريهة النذير، وإذا نطقت خرج صوتها نشازاً، محمّلاً بالمرارة، مخلوطاً بالشكوى، مغموساً في النواح، كأن السياسة عندها مأتم دائم لا مشروع دائم
القحاتي في نموذجه الأشهر لا يحمل رؤية، ولا يملك برنامجاً، ولا يقترح حلاً، بل يتغذى على اللطم، ويشرب من نبع المظلومية، ويتنفس من رئة الاتهام، كائن سياسي يعيش على إعادة تدوير الفشل، وتغليف الهزيمة بورق الشعارات، وتلميع العجز بمساحيق الخطابة، إذا حضر المشهد حضر بلا وزن، وإذا غاب لم يُفتقد، وإذا تكلم انسكب الكلام كما ينصبّ المطر على أرض سبخة: كثير، صاخب، بلا جدوى
قحت لا تعرف العمل، لكنها تحفظ جيداً نشيد العويل، لا تُتقن البناء، لكنها خبيرة في الهدم، لا تمسك بالمطرقة، لكنها بارعة في كسر الجدران، لا تزرع، لكنها تتقن عدّ المواسم، لا تحصد، لكنها تحفظ مواقيت البكاء
في الوقت الذي كان فيه الناس ينتشلون حياتهم من تحت الركام، ويلملمون أشلاء البيوت، ويبحثون عن دواء في صيدليات خاوية، ورغيف في أفران مرهقة، وأمل في بلدٍ مكدود، كانت قحت مشغولة بعدّ خسائرها السياسية، تبكي على ترخيص حزب، وتنوح على لافتة، وكأن الوطن كله انكمش حتى صار ختم مطاط، أو توقيعاً باهتاً في سجل منسي
بينما كانت السلال الغذائية تُحمل على الأكتاف، والمبادرات تُدشّن، وطرق الأبواب تُمارس كفعل إنساني لا كاستعراض إعلامي، كانت قحت تكتب بياناتها بمداد النواح، وتوقّعها بأقلام الشكوى، وتوزعها على منصات الضجيج، كأنها حزب تأسس ليعترض لا ليبني، ليصرخ لا ليعمل، ليشكو لا ليُداوي
هنا يظهر الفرق الفاضح: قوم إذا حضروا، حضر العطاء، وقوم إذا ظهروا، ظهر الصخب. قحت لا تصنع خبزاً، لكنها تكثر من التنظير عن الفرن، لا تزرع قمحاً، لكنها تُقيم المؤتمرات عن الحصاد، لا تلمس الطين، لكنها تُتقن الوقوف على التلال لإلقاء الخطب
إني من منصتي أنظر …. حيث أري ….أن كائن قحت ….كان سكت اتبوم… وإن اتكلم اتلوم، وما بين البومة واللوم، يضيع في العدم السياسي: كائن بلا جذور، وصوت بلا صدى، وحركة بلا اتجاه، لا هو جدير بالصمت، ولا مؤهل للكلام.











Leave a Reply