د. وليد جعفر حامد يكتب:
من ينتظر حصار السودان ليحكمه؟
ليست المشكلة الكبرى في القرار الأمريكي الأخير، في نصِّه أو تبعاته، بل في بعض العيون التي قرأته، وفي بعض القلوب التي استبشرت به. ففرح القحاتة وحليفهم الدعم السريع به لا ينطلق من كونه قرارًا صائبًا يجلب الخير للبلاد، بل من ظنهم أنه قد يضعف الدولة ويفتح لهم طريقًا إلى السلطة عبر إنهاك السودان.
أما الولايات المتحدة نفسها، فلا حاجة إلى تضخيم دورها في هذا الموضع أكثر مما يحتمل السياق. فليس الأمر أنها ستأتي لتصنع لهم حكماً بيدها، ولا أنها ستخوض ما هو أكبر من قرارات كهذه. يكفي أن تصدر مثل هذه الخطوات بما تحدثه من تشويش وضغط وإرباك، وبما تمنحه من مادة سياسية لمن يريدون تعطيل القضاء على التمرد وإبقاء السودان في دائرة الإنهاك.
والي ذلك، فلا ينبغي فصل هذا القرار عن طبيعة الإدارة التي صدر في ظلها. فإدارة ترمب التي تقود الآن مع حليفها حرباً ضد إيران، لم تُعرف باحترام سيادة الدول، ولا بحسن النظر إلى الشعوب الضعيفة، ولا بعقلية الإنصاف في التعامل مع العالم الإسلامي وإفريقيا. مشاكلها الداخلية كبيرة، وخصوماتها مع أوروبا ظاهرة، وابتزازها الاقتصادي والسياسي لحلفائها قبل خصومها صار معروفاً، وخطابها الفظ تجاه دول وشعوب كاملة لا يحتاج إلى كثير شرح. هذه إدارة تنظر إلى العالم بعين المصالح الجافة، وتتعامل مع البلدان الأضعف بكثير من التكبر والازدراء، وتطلق الإهانات العلنية وتلوّح بالهيمنة والضغط بلا خجل.
وحين يبلغ الأمر حد السخرية من دول ووصفها بما لا يليق، وحين يُنظر إلى بلدان إفريقية وعربية وإسلامية بهذا المنظار المحتقر، وحين يكون العداء للمسلمين جزءاً ظاهراً من الخطاب السياسي والدعوات إلى التضييق عليهم وإقصائهم، فإن ذلك يكشف الخلفية التي تتحرك منها مثل هذه القرارات، ويجعل من السذاجة أن تُقرأ كأنها أعمال منزّهة عن الأهواء السياسية والحضارية.
إنهم يتمنون للسودان أن يعود إلى المربع الأول من الحرب حيث لا مناطق آمنة، ولا حكومة ممسكة بزمام الأمور، ولا عودة مطمئنة للنازحين، ولا فرصة للناس أن يلتقطوا أنفاسهم بعد الرعب والتشريد والنهب. يتمنون أن يضيق الطعام والدواء والوقود، وأن يختنق الاقتصاد، وأن تتعثر حركة الاستيراد، وأن يشتد الخوف في حياة الناس، لأن هذا كله هو المناخ الذي تتحرك فيه هذه القوى الجائعة إلى السلطة. هم لا يريدون بلداً ينهض، وإنما بلداً مرهقاً، ومحاصراً، ومضطرباً، حتى يجدوا لأنفسهم موضعاً فوق أنقاضه، وحتى تعود المليشيا لتبطش بمن نجا من أيامها الأولى وعاد يرجو شيئاً من الأمان.
ولو جرى توسيع الأثر السياسي لمثل هذا القرار، أو جرى التمادي في استخدامه للتشويش على الدولة والضغط على الجيش، فإن الذي سيدفع الثمن لن يكون أولئك الذين يصرخون من الخارج ويزايدون من وراء البحار، وإنما المواطن السوداني العادي. عندها سيضيق الغذاء، ويتعثر الدواء، وتضطرب حركة الاستيراد، وتزداد كلفة الحياة على الناس الذين خرجوا أصلاً من حربٍ أكلت بيوتهم وأمنهم وأرزاقهم. وهذه هي البيئة التي تتمناها تلك القوى، لأن السودان المنهك هو السودان الذي يتخيلون أنهم يستطيعون التسلل إليه مرة أخرى.
ولا يقف الأمر عند حدود إضعاف الدولة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أخبث. فهناك من يتمنى تمزيق النسيج الاجتماعي نفسه، وتجريد المجتمع السوداني من عناصر قوته المعنوية والأخلاقية، وضرب روحه الدينية والثقافية التي تحفظ تماسك الأسرة وصيغة المجتمع المحافظ بدعوى فرض العقوبات على الكيزان ومحاربتهم. فالدولة لا تُستنزف فقط بضرب مؤسساتها، بل كذلك حين تُستهدف المجتمعات التي تقوم عليها، حتى وإن احتاج هذا الطريق إلى القتل والتشريد والإذلال، كما كان واضحاً في إشعال هذه الحرب.
ولهذا فإن كل ضغط خارجي على السودان لا يُستقبل عند هؤلاء بوصفه خطراً ينبغي دفعه، بل فرصة ينبغي استغلالها. فكل ما يضعف الدولة عندهم مكسب، وكل ما يؤخر استعادة العافية عندهم مكسب، وكل ما يعطل الطريق إلى القضاء على التمرد عندهم مكسب أيضاً، لأنهم تعودوا أن يروا في ضعف السودان مساحة يتحركون فيها، وفي ارتباكه نافذة يعودون منها، وفي معاناة الناس سلماً يصعدون عليه.
إن كل من يرى في مثل هذا القرار أو تبعاته باباً يُفتح على السودان بالضغط والإنهاك، ثم يستبشر بذلك أو يراهن عليه، قد حسم موقعه بنفسه: ليس في صف الوطن، ولا في صف أهله، وإنما في صف الخراب الذي يتوهم أنه قد يحمله يوماً إلى الحكم.













Leave a Reply