من أعلي المنصة
ياسر الفادني
الصواريخ تتكلم أولاً… ثم تعتذر طهران! ماذا حدث في سماء الخليج؟
في الحروب الكبرى لا تأتي الاعتذارات عادة في البداية، بل تأتي بعد أن تتكلم الصواريخ وتفهم العواصم الرسالة، ما حدث في الأيام الأخيرة في الخليج فصل جديد من لعبة الردع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن بلاده لن تضرب دول الجوار إلا إذا انطلق الهجوم إشارة واضحة إلى أن طهران أرادت أن توصل رسالة بالقوة أولاً، ثم بالكلمات لاحقاً
القصة بدأت عندما تحولت المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى مواجهة مفتوحة بعد ضربات عسكرية واسعة استهدفت منشآت عسكرية وقيادات داخل إيران، وهو تصعيد أدى إلى مقتل شخصيات عسكرية بارزة وتدمير مواقع استراتيجية داخل البلاد، عندها ردت طهران بسلسلة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة التي لم تقتصر على إسرائيل فقط، بل امتدت إلى قواعد أمريكية منتشرة في الخليج، هذه القواعد موجودة في دول مثل البحرين والكويت والإمارات، وهي جزء أساسي من البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة
لكن المشكلة أن الصواريخ لا تقرأ الخرائط السياسية بدقة كما يفعل الدبلوماسيون، حين استهدفت إيران قواعد أمريكية في الخليج، مثل قاعدة الظفرة في أبوظبي أو منشآت عسكرية في البحرين والكويت، فإن الرسالة الإيرانية كانت واضحة: الهدف هو الوجود العسكري الأمريكي. غير أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقت بالمئات سقط بعضها داخل مدن ومناطق مدنية، وأصابت منشآت وبنى تحتية في تلك الدول
هنا ظهر التناقض الكبير في الرواية الإيرانية، طهران تقول إنها لم تكن تستهدف الدول العربية نفسها، بل القواعد الأمريكية التي تعمل منها العمليات العسكرية ضدها، ومن وجهة نظرها، فإن تلك القواعد تحولت إلى منصات هجوم، وبالتالي فإن ضربها يدخل ضمن مفهوم (الدفاع عن النفس) وهذا منطق تكرر في أكثر من أزمة سابقة عندما استهدفت إيران قواعد أمريكية في المنطقة، حيث تؤكد دائماً أن المشكلة ليست مع الدولة المضيفة بل مع القوات الأمريكية الموجودة فيها
لكن دول الخليج لا ترى الأمر بهذه البساطة، بالنسبة لها، أي صاروخ يسقط على أرضها هو اعتداء مباشر على سيادتها، حتى لو كان موجهاً إلى قاعدة أمريكية، ولذلك جاءت ردود الفعل الأولى غاضبة ومشحونة، لأن هذه الدول وجدت نفسها فجأة داخل حرب لم تخترها، بعض العواصم الخليجية بدأت بالفعل مناقشة تنسيق دفاعي مشترك، لأن الرسالة الإيرانية وإن كانت موجهة إلى واشنطن، فإن الجغرافيا جعلت الخليج كله ساحة لهذه الرسالة
هنا يمكن فهم تصريح بزشكيان الأخير باعتباره محاولة لاحتواء الضرر السياسي، فإيران أدركت أن ضرب دول الجوار قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً لما تريد، بدلاً من الضغط على الولايات المتحدة، قد يدفع تلك الدول إلى الاصطفاف الكامل معها عسكرياً، لذلك جاء الإعلان بأن إيران لن تضرب أي دولة مجاورة ما لم ينطلق الهجوم منها، في محاولة لإعادة رسم الخط الفاصل بين العدو الحقيقي كما تراه طهران وبين الدول التي تستضيف القواعد
لكن السؤال الحقيقي ليس ما قالته إيران، بل ما فهمه الجوار من هذا الكلام، كثير من دول الخليج تدرك أن أراضيها تحتوي بالفعل على قواعد أمريكية، وبالتالي فإن الشرط الإيراني الجديد يعني عملياً أن هذه الدول ستبقى في دائرة الخطر طالما استمرت العمليات العسكرية الأمريكية من أراضيها ، بمعنى آخر، التصريح الإيراني ليس ضمانة بقدر ما هو تحذير سياسي مبطن: إذا خرجت الضربة من هنا، فستعود الصواريخ إلى هنا
في النهاية يبدو أن المنطقة كلها دخلت مرحلة جديدة من الردع المتبادل، إيران أرادت أن تقول إن الحرب لن تبقى داخل حدودها، وأن أي صراع معها سيجعل الخليج كله يشعر بحرارته، أما دول الجوار فهي تحاول الآن أن تمسك العصا من الوسط: لا تريد مواجهة مباشرة مع إيران، لكنها أيضاً لا تستطيع التخلي عن تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة
وهكذا، بعد أن هدأت لحظة الصواريخ قليلاً، بدأت لحظة الرسائل السياسية
إني من منصتي أنظر …. حيث أري…. أن اعتذار طهران لجيرانها ليس نهاية الأزمة، بل ربما يكون بداية مرحلة أخطر، مرحلة يصبح فيها الخليج كله خط تماس بين قوة إقليمية تريد كسر الحصار، وقوة عالمية تريد الحفاظ على هيمنتها العسكرية في المنطقة. وفي مثل هذه المعادلات، غالباً ما تكون الجغرافيا هي الضحية الأولى.










Leave a Reply