د. وليد جعفر حامد يكتب : عذراً… يا أصحاب “شكراً حمدوك”
أعتذر إليكم، يا أصحاب “شكراً حمدوك”، لأنني ربما شققت عليكم أكثر مما ينبغي، حين طالبتكم أن تنزلوا قليلاً من أبراج الوهم إلى أرض الواقع، وأن تتركوا هذه البالونة القديمة في أعلي البرج كي تهبط أخيراً بعد طول نفخٍ وتصفيقٍ ومطاردةٍ في الهواء.
أعتذر لأنني ظننت أن المسألة عندكم قابلة للمراجعة، وأن الإنسان قد يتوقف يوماً أمام نفسه ليسألها: على أي شيءٍ كان هذا الشكر كله؟ وما الذي بقي من ذلك الهتاف سوى صدى قديمٍ يردده بعض الناس لأنهم لا يريدون الاعتراف بأنهم أمضوا زمناً طويلاً في النفخ في صورةٍ أكبر من حقيقتها، وأخف من أن تستقر على أرض؟
أعتذر لأنني كنت أتصور أن الشكر لا يكون إلا على ثباتٍ عند الشدائد، أو على عملٍ حين يَثقُل الواجب، أو على وفاءٍ للأمانة حين تضيق الساعات وتتعاظم التحديات. ثم رأيت أنكم تريدون من الناس أن يشكروا رجلاً كلما احتاج الوطن إلى البقاء، مال إلى الانسحاب، وكلما كانت البلاد أحوج ما تكون إلى الثبات والعمل وتحمل الكلفة، بدا عليه من البرود والسلبية ما يجعل الغياب عنده أقرب من المواجهة، والاستقالة أيسر من الصبر على الأعباء.
أعتذر لأنني كنت أبحث في هذا الشكر عن معنىً يمكن مناقشته، ثم بان لي أن وراءه شيئاً آخر: تعلقٌ بصورةٍ صُنعت على عجل، ثم نُفخ فيها طويلاً، وروّجت لها دوائر تعرف كيف تصنع الواجهات، وكيف تقدم للناس رجلاً لا ليكون صاحب مشروعٍ وطنيٍّ متجذر، بل ليكون أقرب إلى وكيلٍ مهذبٍ للمصالح التي جاءت به، ولساناً ناعماً للجهات التي أغدقت عليه، وواجهةً صالحةً للاستعمال كلما احتاج الخارج إلى اسمٍ يتحدث به عن السودان أكثر مما يتحدث منه السودان عن نفسه.
أعتذر لأنني ظننت أن قول الرجل يوماً: هذه أمانتكم، رددتها إليكم، ينبغي أن يُفهم على ظاهره، وأن من ردّ الأمانة حقاً تركها لأهلها ومضى. لكن المشهد بعد ذلك كان أبلغ من كل تفسير؛ فكيف ترد الأمانة باللسان ثم تلهث وراءها بالفعل؟ وكيف تقول للناس إنها قد أُعيدت إليهم، ثم تسعى إلى استرجاعها من أبواب الخارج، وبالدعم الخارجي، وبالتأليب على الوطن المنهك، وبالحديث الذي يزعم الوقوف مع الإنسان السوداني بينما يسهم في إنهاك بلده أكثر، ويفتح عليه أبواب الضغط والابتزاز والتدخل باسم الرحمة عليه؟
أعتذر لأنني لم أفهم باكراً أن بعض الناس لا يزعجهم في الرجل أنه استقال عند اللحظات الحرجة، بل يزعجهم فقط أن نذكرهم بذلك. مع أن السؤال هنا سؤال بسيط لا يحتاج إلى كثير عناء: أي رئيس وزراء هذا الذي يستقيل من منصبه مرتين، ثم يهرب بعد ذلك ليمارس دور القيادة من الخارج؟ وأي صورةٍ هذه التي تريدون تثبيتها في الأذهان لرجلٍ أعياه المقام حين كان المقام في الداخل، ثم بدا أكثر نشاطاً حين صار الخطاب من الخارج، وتحت أضواء الخارج، وبلغة الخارج، وضمن حسابات الخارج؟
أعتذر لأنني توقعت أن يكون في هذا الشعار شيءٌ من الوفاء للواقع، فإذا به وفاءٌ للصورة وحدها. الواقع يقول إن البلاد كانت تحتاج إلى رجالٍ يثبتون حين تهتز الأرض، ويعملون حين تتكاثر الخطوب، ويتحملون الكلفة حين لا يبقى من السياسة إلا المعنى الثقيل للمسؤولية. أما الصورة التي ما زلتم تنفخون فيها، فهي صورة رجلٍ كلما ضاق عليه الممر، اتسع باب الخروج في وجهه، ثم عاد من وراء الحدود يحدّث الناس عن ضوءٍ في آخر النفق، وعن سودانٍ لا تحكمه قوى الظلام، وعن حرصٍ على السودان، وكأن الحرص الذي عجز عن حمل العبء في داخله صار أصلب عوداً لمجرد أنه نطق به من الخارج.
أعتذر لأنني ناقشت شكركم له كأنه بالفعل يعبّر عن الامتنان، بينما هو عندكم أشبه بعادةٍ نفسيةٍ قديمة، أو بولاءٍ عاطفيٍّ لا يحب أن يُختبر على ضوء الوقائع. ولذلك كلما هبطت هذه البالونة قليلاً، أسرع بعضكم إلى نفخها من جديد، لا لأنها ما تزال تحمل معنىً قد يقنع الناس، بل لأن سقوطها يحرج الذين ظلوا طويلاً يصفقون لها. وهكذا تحوّلت “شكراً حمدوك” من عبارةٍ يُفترض أن تكون مرتبطةً بسبب، إلى جملةٍ تعيش بقوة التكرار وحده، كما تعيش الأشياء الخفيفة في الهواء ما دام هناك من يصر على دفعها إلى أعلى.
أعتذر لأنني ربما كنت شديداً في لهجتي، بينما كان يكفي أن أقول لكم في هدوء: دعوا هذه العبارة المشوهة تمضي. دعوا هذا الشعار القديم يذهب إلى مكانه الطبيعي بين العبارات التي استهلكها الواقع حتى فقدت معناها. فليس من الحكمة أن يظل الناس يشكرون رجلاً على السلبية وقت الفعل، وعلى الاستقالة وقت الحاجة، وعلى ردّ الأمانة بالقول ثم ملاحقتها بالفعل، وعلى تمثيل دور القيادة من الخارج بعد العجز عن حملها من الداخل.
أعتذر إليكم أخيراً، يا أصحاب “شكراً حمدوك”، لأنني منحت هذا الشعار وقتاً أطول مما يستحق، وتعاملت معه كما لو كان ما يزال قادراً على الحياة. والحقيقة أنه لم يعد كذلك. لقد صار عبئاً على من يردده أكثر مما هو مجدٌ لمن يُردد باسمه. وصار الإصرار عليه أقرب إلى الإقامة الطويلة تحت بالونةٍ تائهة، لا يثبتها معنى، ولا يسندها موقف.
والمعذرة على التقصير!










Leave a Reply