نحـنُ نحـب مصر،لكـنـنا نُحـبُّ السـودان أكثـر .
✍🏾محجوب فضل بدرى
-كان السودانيون عموماً منذ الأزل يرتبطون بمصر ثقافياً ووجدانياً لما فيها من أولياء الله الصالحين، فهى مهد الأزهر الشريف الذى يحوى رواق السنارية،وهى مكان الأغتراب الأول لطلاب العلم أو الباحثين عن العمل فى الجندية، ولم يُؤَثِق ضد مصر احتلال محمد على باشا للسودان ولا حملات صهره محمد بك الدفتردار الانتقامية لمقتل أسماعيل باشا والتى راح ضحيتها مايقارب العشرين ألفاً من الأنفس مابين شندى والمتمة والدامر . فقد كان أهل السودان عموماً يؤمنون ببراءة المصريين من دم السودانيين، بحسبان أن الفئة الحاكمة من أسرة محمد على باشا، وصهره محمد بك الدفتردار ليسوا من أهل مصر فأصول الأسرة الخديوية تتوزع ما بين كورتشة فى (ألبانيا) وقونية فى (تركيا) وكافالا فى (اليونان)ولم يكن لسانهم عربياً وان كانوا مسلمين .ويُسمى السودانيون تلك الحقبة ب(التركية السابقة)،التى أسقطتها الثورة المهدية، بما يعنى بداهةً أن الأستعمار الأنجليزى المصرى،أو الحكم الثنائى هو(التركية اللاحقة) لأن مصر كانت مغلوبة على أمرها فهى تحت الاحتلال الأنجليزى، وهكذا لم يَحمِل أهل السودان أىّ غلٍّ أو حقد تجاه أهل مصر وينظرون اليهم بأعتبارهم (ضحايا أستعمار) مثلهم تماماً .
-وبعد أن نال السودان أستقلاله لم تتغير نظرة أهل السودان تجاه مصر غضَّ النظر عن المظالم التاريخية والخلافات فى الحدود الدولية الفاصلة بينهما فى مثلث حلايب أو نتوء وادى حلفا وتضحية السودان بوادى حلفا أرضاً وسُكاناً فى سبيل أنشاء السد العالى،والسلفة المائية غير المستردة والوعود التى لم تنفذ وكل المظالم التى وقعت بعد وقبل ذلك !!
-ومن نافلة القول أن العلاقات بين الدول ليست مثل العلاقات بين الشعوب.لذا فأننا نجد أن الشعب السودانى يحب الشعب المصرى ولا يُحمِّله وِزْر أفعال حكوماته مهما كانت،وبلادنا تخوض حرباً وجودية تجد السند السياسى والدبلوماسى وربما العسكرى من مصر بلا أدنى ريب.وهذا ما يجد الترحيب من الشعب السودانى ومن الحكومة .
-لا ينكر عاقل حقَّ أَىِّ دولة فى الدفاع عن سيادتها وحدودها ومواطنيها بما تراه مناسباً،دون افراطٍ أو تفريط،لكن أستخدام مصر للقوة المفرطة تجاه المعدنين فى حدود الدولتين يُعد تجاوزاً للعرف السائد بين الدول لمعالجة أى مشكلة مثل عبور أفراد أبرياء للحدود (غير المُعَلَّمة) وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً ولم يقصدون حتماً تحدى الحكومة المصرية التى كان بوسعها اتخاذ الأجراءات المناسبة لا أن تقصفهم بالطائرات دفعةً واحدة!!
-ومن الجانب الآخر فان الحادث الفردى الذى أوقع قتلى أو جرحى مصريين فى السودان ويبدو أنه جاء كردةِ فعلٍ لمقتل عشرات المعدنيين الشباب،أمرٌ يجب أن لا يُنظر اليه اِلًّا فى أطار التصرف المعزول الذى لا يُعبِّر عن المزاج العام السودانى الذى لا يخطر بباله أن يوجه الجيش المصرى سلاحه الى صدر أخيه السودانى الذى سانده فى حروبه كلها وفتح له أراضيه ومعسكراته!! .
-ان أستضافة مصر للسودانيين عند وقوع حرب الكرامة وأعتبارهم ضيوفاً ينفقون على أنفسهم من أموالهم ولا يتلقَّون عوناً كلاجئين ،لا يمنعنا من استنكار القصف الذى أوقع ضحايا وان لم يكتمل التحقيق فى ملابسات العملية التى أوقعتهم.
-المطلوب الآن من الحكومتين أن تقوما بما يلزم لاحقاق الحق ووأد الفتنة فى مهدها بأعجل ما يمكن، حتى لا يتسع الفتق على الراتق ويكفى أهل السودان ما هم فيه من حرب أتت على الأخضر واليابس ولا حاجة لنا فى المزيد من المـآسى.
وبعيداً عن نظرة الاستعلاء أو عقدة الدونية فنحن نحب مصر ولكننا [نحب السودان أكثر] .
