الخنازير لا تحكم وحدها… الكلاب ضرورية
قراءة في تحالف السياسة والسلاح
عمار عبدالباسط عبدالرحمن
في كل مزرعة تُختطف لا تكفي الخنازير للحكم.
الخنازير تجيد الخطابة تصوغ البيانات، تتحدث باسم الثورة والتحول المدني الديمقراطي وحقوق النساء والجندر والنوع وغيرها وتعيد تعريف الكلمات حتى تفقد معناها. لكنها – مهما بلغ دهاؤها – لا تستطيع أن تحكم وحدها.
الحكم يحتاج إلى قوة على الأرض إلى أنياب تفرض ما يُكتب في البيانات.
ولهذا كانت الكلاب ضرورية.
في المشهد السوداني لم يكن التحالف بين قحت وصمود وتقدم وبعض الأحزاب التقليدية (جناح أم جكو) والمليشيات المسلحة مجرد تقاطع مصالح عابر بل كان – في لحظة ما – معادلة واضحة:
خطاب سياسي يمنح الغطاء
وقوة مسلحة تفرض الأمر الواقع.
حين نتأمل تجربة بعض قيادات قوى الحرية والتغيير نجد خطاباً ظل يساوي – في لحظات حرجة – بين الدولة ومن يتمرد عليها ويطرح معادلات “مدنية” تتجاهل سؤال السلاح المنفلت. خطاب يُحمل المؤسسة العسكرية كل خطايا المشهد بينما يتجنب توصيف المليشيا بوصفها خطراً وجودياً على الدولة.
لكن الخطاب وحده لا يصنع واقعاً.
هنا يظهر دور الكلاب.
المليشيا التي عُرفت تاريخياً باسم الجنجويد لم تكن مجرد طرف سياسي مختلف بل قوة مسلحة فرضت حضورها بالنار، ووسعت نفوذها بالسلاح وخلقت حقائق ميدانية تُستخدم لاحقاً كورقة تفاوض.
الخنازير تبرر…
والكلاب تهاجم.
الخنازير تتحدث عن “عملية سياسية شاملة”…
والكلاب تُعيد رسم الخريطة على الأرض.
الخنازير تطلب من الجيش أن يتراجع…
والكلاب تتمدد في الفراغ.
التحالف هنا ليس عاطفياً بل وظيفي:
السياسي يحتاج إلى قوة تفرض رؤيته
والمليشيا تحتاج إلى خطاب يمنحها شرعية.
أخطر ما في هذا المشهد ليس العنف وحده بل إعادة تعريف المفاهيم.
حين يصبح تفكيك الجيش “إصلاحاً”
وحين يصبح تعدد الجيوش “تنوعاً أمنياً”
وحين تُطرح التسويات قبل حسم سؤال السلاح.
في هذه اللحظة لا يُستهدف الجيش كمؤسسة فحسب بل تُستهدف فكرة الدولة نفسها:
الدولة التي تحتكر السلاح
الدولة التي تفرض سيادتها على كامل ترابها
الدولة التي لا تقبل شريكاً مسلحاً.
ولذلك يخافون من الجيش.
لأن بقاءه متماسكاً يعني نهاية مشروع المليشيا.
ولأن استعادته للمبادرة تعني سقوط رهانات سياسية بُنيت على إضعافه.
ولأن الدولة القوية تُسقط الحاجة إلى تحالف الخنازير والكلاب معاً.
التاريخ يخبرنا أن كل تحالف بين السياسة والسلاح خارج إطار الدولة ينتهي بإحدى نتيجتين:
إما أن تبتلع الكلاب الخنازير
أو أن تستعيد المزرعة أصحابها الحقيقيين.
المعركة اليوم ليست معركة مواقع
ولا معركة شعارات
بل معركة على فكرة الدولة نفسها.
دولة تحتكر السلاح
وتفرض سيادتها
ولا تسمح بتحالف الخطاب والبندقية خارج إطارها.
الخنازير لا تحكم وحدها…
والكلاب لا تتحرك بلا غطاء…
لكن حين تستعيد الدولة عافيتها
يسقط التحالف كله
وتعود المزرعة لأهلها.















Leave a Reply