من أعلي المنصة
ياسر الفادني
من الأول؟ ومن الطيش؟
دخلت الحرب قاعة الامتحان بلا استئذان، جلست على الكرسي الأمامي، وفتحت كراسة الرياضيات العسكرية، مادة لا تُدرّس في المدارس، ولا تُمنح فيها درجات ترضية، إمّا أن تحلّ أو تُمحى، في هذا الامتحان العسير، كانت القوات المسلحة تعرف تمامًا كيف تستخرج قيمة س وص، وكيف تصنع معادلة ترجّح كفتها بلا ضجيج، بينما جاءت المليشيا متأخرة، مرتبكة، تحمل أقلامًا مكسورة ودفاتر ممزقة، وتبحث عن ناتج لا تعرف طريقه
القوات المسلحة فهمت أن الجمع لا يكون بالحشود، بل بالضرب في العمق، وأن الطرح ليس انسحابًا بل إعادة تموضع، وأن القسمة العادلة هي توزيع القوة على جبهات محسوبة، عرفت كيف تأخذ أكبر من، وكيف تمنح أقل من، وكيف تجعل علامة التساوي تنحني لصالحها
أما المليشيا، فقد (قَدَّت) رياضيات لأن عقليتها لا تعرف إلا العدّ على الأصابع، ولا تفهم في الجبر إلا كسر الخاطر، كل انسحاب للمليشيا كان عددًا سالبًا جديدًا، يُضاف إلى سجل الخيبة، وكل محاولة جبر في الميدان كانت تسقط تلقائيًا على يسار علامة التساوي، حيث تُرصّ الهزائم كما تُرصّ الأخطاء الإملائية في كراسة تلميذ بليد!
في المقابل، كانت انتصارات القوات المسلحة تسير بمتوالية هندسية: تتضاعف، تتكاثر، تتراكم، وتعيد رسم الخريطة بقلم واثق لا يرتجف ، المليشيا تحارب بعقلية المسألة السهلة، فتأتيها النتائج معقّدة، وتدخل المعركة وهي تحفظ جدول الضرب، لكنها تنسى جدول الأخلاق، فتضرب في الفراغ، وتقسم الوطن، وتطرح القيم، ثم تتساءل بدهشة: لماذا خسرنا؟ لأن من يرسب في مادة العربي و الأخلاق والوطنية لا تنفعه كل معادلات الأرض، ومن لا يحفظ دروس الانتماء، يخطئ حتى في كتابة اسمه على ورقة الامتحان!
إني من منصتي أنظر …. حيث أري… أن القوات المسلحة لم تنجح لأنها الأقوى سلاحًا فقط، بل لأنها الأشطر ضميرًا، والأذكى وعيًا، والأرسخ قدمًا في أرض تعرف أصحابها، نجحت لأنها درست جيدًا، راجعت خرائطها، وحفظت درس الوطن عن ظهر قلب، بينما المليشيا جاءت إلى الامتحان بسكاكين، لا بأقلام، وبالنهب لا بالفهم، وبالطيش لا بالحكمة.
وفي نهاية الحصة، رنّ جرس الحقيقة: الأول بجدارة هو من ينجح في الأخلاق والوطنية قبل الحساب والهندسة، أما من (يقد) عربي وحساب وأخلاق، فمصيره الرسوب الأبدي، ولو أعيد الامتحان ألف مرة. لأن الحرب، مهما لبست ثوب الأرقام، تظل في جوهرها امتحان قيم، ومن لا قيمة له… لا نتيجة له.











Leave a Reply