قاسم الظافر يكتب:
مقترح: إصدار صكوك سيادية جديدة (شهادة–كرامة)
لتمويل مشروعات إعادة الإعمار وتعزيز الثقة
أسفرت حرب 15 أبريل عن استهداف واضح للاقتصاد السوداني، من خلال حجم التدمير الهائل الذي طال البنية التحتية، والقطاعات الإنتاجية المختلفة، وعددًا من المشروعات الخدمية الحيوية في البلاد. وقد امتدت هذه الأضرار لنطاق جغرافي واسع، شمل نحو 12 ولاية تضررت بصورة مباشرة وبنسب متفاوته جراء الحرب. وتُقدَّر التكلفة الأولية لإعادة الإعمار في مختلف القطاعات بما يتراوح بين 200 و300 مليار دولار.
في المقابل، تآكلت الإيرادات العامة للدولة بنسبة كبيرة تُقدَّر بين 60% و70%، وازداد الإنفاق الحكومي بنسب ملحوظة لتغطية نفقات الحرب والأزمة الإنسانية المتفاقمة، مما أدى إلى عجز غير مسبوق، انعكست آثاره بوضوح على مؤشرات الاقتصاد الكلي في مرحلة ما بعد أبريل 2023م.
سياسة zero ديون:
يعاني الاقتصاد السوداني سلفاً من ديون خارجية متراكمة تُقدَّر بنحو 55 مليار دولار، تمثل أعباءً حالية ومستقبلية على الاقتصاد الوطني. لذا تُعد سياسة «zero ديون» من أهم السياسات والشعارات التي ينبغي أن تتبناها الحكومة في المرحلة الراهنة، بحيث تعمل الدولة على استعادة عافية اقتصادها، وتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، وذلك عبر طريقين:
1. الاستثمارات المحلية والأجنبية: من خلال طرح عدد من مشروعات إعادة الإعمار للاستثمار بصيغ مبتكرة وجاذبة للمستثمرين المحليين والأجانب، مع توفير بيئة استثمارية مستقرة ومدعومة بسياسات وتشريعات تعزز الثقة والاستقرار.
2. التعاون الدولي: عبر تفعيل الشراكات مع المجتمع الدولي والمنظمات العالمية وبعض الدول الصديقة، لتنفيذ اتفاقيات وبرامج مشتركة لإعادة تأهيل وإعمار مشروعات إنسانية ومتخصصة؛ مثل التعاون مع (اليونسكو) في إعادة تأهيل المتاحف والمحافظة على الهوية والتراث القومي، والتعاون مع منظمات أخرى في مجالات التعليم والصحة والأمومة والطفولة والأمن البيئي… إلخ.
تجربة شهادة شهامة:
طرحت وزارة المالية في مايو 1999، ولأول مرة، شهادة مشاركة حكومية «شهامة» كوسيلة لتمويل عجز الموازنة عبر صيغة المشاركة الإسلامية. ومنذ ذلك الوقت ظلت شهامة تساهم بنسب متفاوتة في تغطية العجز السنوي للموازنة.
ومن خلال دراسة مصغّرة، رصدتُ نسب مساهمة شهادة «شهامة» خلال الفترة من 2011م إلى 2019م في تغطية عجز الميزانية، حيث بلغ متوسط مساهمتها نحو 20.52% من إجمالي العجز خلال تلك الفترة، التي تعتبر مساهمة مقدرة ومعتبرة مقارنة بحجم السوق المالي في السودان.
شهادة الكرامة:
في ظل ارتفاع التكلفة التقديرية لمشروعات إعادة الإعمار، مقابل التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني والمتمثلة في؛ تآكل الإيرادات الحكومية، وضعف التصنيف الائتماني، والقيود المفروضة على التمويل الخارجي، إضافة إلى ضعف الثقة في العملة الوطنية، مع اتساع حجم الاقتصاد الموازي. تبرز «شهادة كرامة» — بوصفها صكوك مشاركة سيادية سنوية قابلة للتجديد — كأداة تمويل مثالية لأسباب اقتصادية واجتماعية.
اقتصاديًا، تمثل «شهادة كرامة» أداة فعالة لجذب رؤوس أموال تشاركية، تمتاز بربحية مرتفعة مقارنة بمتوسط الأرباح المتاحة في السوق، لكونها مسنودة بمشروعات إنتاجية وخدمية حقيقية ومتنوعة (وليست مجرد أداة لإدارة السيولة)، كما تتميز بانخفاض مستوى المخاطر وسرعة التسييل، إذ يمكن تداولها بسهولة في سوق الخرطوم للأوراق المالية عبر شركات الوساطة العاملة في السوق، كما يمكن استخدامها في تسوية المعاملات المالية بوصفها وسيلة دفع مضمونة السداد.
وفضلًا عن كونها أداة لتمويل مشروعات إعادة الإعمار، فإن «شهادة كرامة» تمثل وسيلة لإدارة السيولة من قبل البنك المركزي بما يحقق الشمول المالي المطلوب، وتسهم في تجميع المدخرات القومية، وتشجع المؤسسات والأفراد على استثمار فوائضهم، بما يساعد علي تطوير سوق النقد وتطوير منتجاته المالية.
اجتماعيًا، يمكن الاستفادة من الزخم الشعبي الواسع لمعركة الكرامة، وتوحيد الجهود المجتمعية في إطار مشروع وطني جامع، لا سيما وأنها شهادة مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتعزز إشراك المواطنين في ملكية المشروعات الوطنية الكبرى، وترسخ مفهوم الاقتصاد التشاركي وتطبيقاته في إعادة الإعمار.
لإنجاح «شهادة كرامة» في جذب رؤوس الأموال، يمكن اتباع عدة تدابير بحيث تشجع السوق على الاستثمار المالي وتزيد الإقبال عليها، مثل طرحها على دفعات مرتبطة بمشروعات محددة (كإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم بعائد 25% مثلًا)، مع ضرورة إشراك المغتربين والجاليات السودانية في الخارج. والأهم أن تُعتمد صكوك «شهادة كرامة» ضمن خطة شاملة ومتكاملة لإعادة الإعمار، لا بوصفها حلًا ماليًا منفصلًا.
آخيراً.. تتطلب مهمة إعادة الإعمار جهدًا كبيرًا ومشتركًا على المستويين الرسمي والمجتمعي، كما تستدعي أطروحات جريئة وخلاّقة لمعالجة أزمات التمويل وإنفاذ المشروعات وإدارة الموارد بكفاءة. صكوك «شهادة الكرامة» ليست مجرد أداة تمويل، بل يمكن أن تمثل آلية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، شريطة أن تُدار بعقلية دولة مسؤولة تتسم بالكفاءة والشفافية.
كما يمكن، من خلال إطلاق «شهادة الكرامة-الذهبية» — عبارة عن شهادة مالية مدعومة بأصول من الذهب — جذب رؤوس أموال أجنبية من مستثمرين وصناديق سيادية خليجية، وذلك بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات مؤسسية في هيكل الدولة، وتعزيز الضمانات اللازمة، وتحقيق مستويات عالية من الشفافية، وإرساء إطار قانوني وتنظيمي متماسك.











Leave a Reply