شــــــــــــوكة حـــــــــــوت
غربة الموت حين يختصر المنفى
جثامين السودانيين فى توابيت
الصمـــــت
ياسرمحمدمحمود البشر
خلف بريق أضواء العواصم الصاخبة وفى أزقة مدن اللجؤ التى استقبلت مئات الآلاف من السودانيين إن لم اقل الملايين الفارين من نيران الحرب منذ الربع الأول من العام ٢٠٢٣ تدور مأساة من نوع آخر ليست مأساة الرصاص هذه المرة بل مأساة الموت البارد هناك حيث تتوقف الأنفاس بعيداً عن تراب الوطن تنتهى رحلة اللجوء لعدد غير قليل من السودانيين بمراسم دفن باهتة تُجرى على عجل وبأعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أو يزيد قليلا على ذلك مع العلم أنه فى الثقافة السودانية الموت مناسبة اجتماعية مهيبة تضيق بها الشوارع وتُرفع فيها السرادق ويُحمل النعش على أكتاف المئات فى موكب مهيب لكن في أرض اللجوء اختلف المشهد تماماً يموت اللاجئ السودانى فى صمت غالباً نتيجة الإجهاد النفسى قبل المرض أو تدهور الحالة الصحية فى ظل ظروف معيشية قاسية.
فكم من كان مهاباً في قومه وكم من ماجدة ورى أو وُريت الثرى فى مقابر الغرباء بوجود ثلاثة أشخاص وهنا يكون الشعور وكأن حياته التى امتدت لسنوات أُختُصرت في إجراءات ورقية باردة ولحظة وداع خاطفة مع قسوة الإجراءات وضيق ذات اليد التى تجعل من موت السودانى فى ديار اللجؤ موتًا بلا طعم حيث يقضى ذوو المتوفى ساعات طويلة بين المستشفيات والمراكز الأمنية لاستخراج تصاريح الدفن مما يحول لحظة الحزن إلى دوامة من الركض الإدارى وفقدان التواصل مع الأهل في الداخل السودانى جعل الجنازات تفتقر للحشد الذي يمنح الموت قدسيته المعهودة
الموت فى ديار الغربة وداعٌ مستعجل والمقلق فى الأمر هو ظاهرة (الدفن السريع) فبسبب غياب المساحات المخصصة أو ضيق الخيارات المالية يُدفن الكثيرون فى مقابر الصدقة أو في مساحات مخصصة للغرباء تتم العملية بسرعة البرق صلاة جنازة فى مسجد جانبى ثم انطلاق سريع نحو المقبرة ليعود المشيعون القلائل إلى هموم لجوئهم وكأن شيئاً لم يكنهذا هو الموت البارد لا يسرق الروح فقط بل يسرق من المتوفى حقه فى الوداع اللائق ويترك غصة فى قلوب الأحياء الذين يشعرون أن كرامة الإنسان السودانى باتت مهددة حتى في لحظاتها الأخيرة إن ما يحدث للسودانيين في بلاد اللجوء يستوجب وقفة من الروابط السودانية فالموت ليس مجرد توقف للقلب بل هو الخاتمة التى تستحق الاحترام وإن ترك اللاجئ يواجه مصيره الأخير وحيداً ودفنه فى زوايا النسيان هو مؤشر على انحدار القيمة الإنسانية فى زمن اللجوء ويبقى السؤال الموجع متى يعود الموت فى بلادنا موتًا دافئًا بين الأهل والجيران بدلاً من هذا الرحيل البارد على أرصفة الغربة ويبقى العنوان الأبرز غربة الموت حين يختصر المنفى جثامين السودانيين فى توابيت الصمت
موت اللجؤ تغييب فيه هيبه العمائم البيض وصفوف الصلاة وعناق الاهل والمعارف على بوابات أحمد شرفى والبكرى وحمد النيل وخوجلى وحمد ومقابر برى والبندارى والصالحة وفى أى مقبرة من المقابر ويرتفع صوت الدعاء للميت وفى ذلك دفء ومواساة وعز وكرم وإكرام للميت وتخفيف على ذويه ثم يظهر بعد ذلك وجه التكافل الإجتماعى وكل ميت فى السودان هو جعفر يُصنع الى أهله الطعام ويتدافع الجيران بما فى بيوتهم من مأكل هنا تغيب مظاهر التكافل ويغيب الدفء وتتدنى درجات المواساة وسرعان ما يتلاشى المشيعيون وراء مشاكلهم وهموهم ويذهب أهل الميت يبحثون لهم عن دار مناسبات لتلقى العزاء.
نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة
الموت كله موجع ومؤلم وأشده ألما ووجعا موت اللجؤ والمنافى ويتعمق الوجع حينما تتبدل فلسفة الموت فى نفس المشيعين ويبقى السؤال الحائر فى عيون القلة القليلة من هو الميت القادم الذى ينتظره الموت البارد.
ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة
هكذا تحول السودانيين الى مجرد أرقام فى دفاتر اللجؤ ودفاتر الموتى الغرباء بما كسبته أيديهم وستطول معاناتهم.
yassir. mahmoud71@gmail.com
















Leave a Reply