لم تنهض أمة من الأمم، ولم تبنِ حضارة تُذكر، اعتمادًا على المصادفة أو حسن الحظ، وإنما كان الطريق إلى المجد دائمًا مفروشًا بالكفاح الطويل، والعمل الدؤوب، والتخطيط الواعي الذي لا يعرف التراخي. فالأمم التي سبقتنا في مضمار التقدم لم تبلغ ما بلغته إلا لأنها امتلكت رؤية واضحة، واستثمرت في الإنسان قبل البنيان، وجعلت من الوعي المجتمعي أساسًا لكل نهضة وتنمية.
لقد واصلت تلك الأمم ليلها بنهارها، وقدّمت التضحيات، وربطت حاضرها بمستقبلها، فحققت تنمية مستدامة، ورسخت قيم العدل، ووفرت الأمن والاستقرار لمواطنيها، فأصبحت نماذج يُحتذى بها في الإدارة والاقتصاد والحكم الرشيد.
في المقابل، فإن المجتمعات التي تفتقر إلى التنظيم، وتغيب عنها الرؤية الوطنية الجامعة، وتعجز عن توحيد أولوياتها، تظل حبيسة دوائر التخلف والاضطراب، مهما امتلكت من موارد أو طاقات. فغياب الوعي المجتمعي لا يؤدي فقط إلى تعطيل التنمية، بل يفتح الباب واسعًا أمام النزاعات والانقسامات والانهيار الاقتصادي.
وفي السياق السوداني، تبرز إشكالية عميقة ظلت تعيق مسيرة التقدم لعقود طويلة، تتمثل في تغلغل القبلية والجهوية في الوجدان الجمعي، إلى جانب الولاءات الإثنية والحزبية الضيقة. هذه السلوكيات لم تكن مجرد ظواهر اجتماعية عابرة، بل تحولت إلى معوّقات حقيقية حالت دون إحداث التغيير المنشود، وأضعفت فرص الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وأسهمت في دفع البلاد إلى مؤخرة الأمم اقتصاديًا وتنمويًا.
لقد آن الأوان لأن نواجه أنفسنا بقدرٍ عالٍ من الشفافية والشجاعة، وأن نبحث بعمق في عوائق التنمية، سواء كانت اقتصادية، أو اجتماعية، أو مرتبطة ببنية الحكم والإدارة. فهذه المعوقات لم تكن بلا أثر، بل شكّلت تحديًا وجوديًا للدولة، وقادت إلى الحروب، وعدم الاستقرار السياسي، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع. إن السلوك الجمعي حين يفتقر إلى الوعي قد يصبح عنصرًا سلبيًا، بل معولًا للهدم بدل أن يكون أداة للبناء.
ومن هنا، فإن الطريق إلى التنمية الحقيقية يبدأ من بناء مجتمع واعٍ، يدرك مصالحه العليا، ويقدّم الوطن على ما سواه. مجتمع يؤمن بأن التعليم هو المدخل الأساسي للتقدم، وأن البحث العلمي هو وقود الابتكار، وأن نشر الثقافة الوطنية الجامعة هو السبيل لتعزيز الولاء الوطني، وترسيخ قيم المواطنة، والحقوق، والواجبات.
إن الاستثمار في الإنسان السوداني، ورفع مستوى وعيه، وتمكينه بالعلم والمعرفة، كفيل بأن يقوده إلى إدراك مسؤولياته الوطنية، ويجعله شريكًا فاعلًا في البناء لا مجرد متفرج على الأزمات. وبهذا وحده نستطيع أن نؤسس لتنمية شاملة ومستدامة، تعيد للسودان مكانته، وتجعل منه أمة يشار إليها بالبنان بين الأمم.
فالمجتمعات الواعية لا تُهزم، ولا تتخلف، لأنها تعرف طريقها جيدًا… وتدرك أن التنمية ليست مشروع حكومة، بل مشروع وطن بأكمله
✍🏽 مصطفى بشير عيسى المجتمعات الواعية… حجر الأساس للتنمية الشاملة والاستدامة











Leave a Reply