يبدو أن أبوظبي تواجه واحدة من أكثر اللحظات حساسية في علاقتها مع واشنطن منذ أكثر من عقد، بعدما إختارت الإدارة الأمريكية الإصطفاف بوضوح إلى جانب المقاربة السعودية في ملفات الأمن الإقليمي، وخصوصًا ما يتعلق بالنشاط العسكري لقوات المليشيا، هذا التحول الأمريكي المفاجئ لم يقتصر على الضغط السياسي، بل أطلق سلسلة مراجعات داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، وأعاد إلى الواجهة شكوكًا قديمة بشأن إتجاهات الإمارات الإستراتيجية وعلاقاتها مع الصين !
التوتر تصاعد حينما أبدت أبوظبي ترددًا في منح فريق أمريكي متخصص حق الوصول الكامل إلى مواقع عسكرية معينة، الموقف زاد من قلق واشنطن التي كانت بالفعل تراجع تقارير إستخباراتية تتحدث عن تعاون تقني متنامٍ بين شركات إماراتية وشركاء صينيين ومع أن هذه الملفات كانت مطروحة منذ سنوات، فإن توقيتها الجديد أعطى إنطباعًا للإدارة الأمريكية بأن الإمارات تتحرك بردود فعل دفاعية أكثر منها خيارات مدروسة، وأن قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين شركائها الدوليين أصبحت موضع إختبار
في المقابل، اتخذت السعودية مسارًا أكثر إنضباطًا ووضوحًا، فقد قدمت للولايات المتحدة سردية أمنية شاملة اعتبرت فيها أن استمرار تدفق السلاح إلى المليشيا يهدد مباشرة أمن البحر الأحمر وممراته، هذا الطرح الواضح والمسنود بمقاربات أمنية متماسكة جعل واشنطن تميل إلى الموقف السعودي، بإعتباره الأكثر إستقرارًا وقدرة على دعم مصالحها في المنطقة
ردّ الإمارات جاء مشوبًا بالتوتر ، إذ حاولت الضغط عبر تقليص مستوى الوصول الأمريكي لبعض منشآتها العسكرية وتعليق قنوات تعاون إستخباراتي محددة، غير أن هذه الخطوات، بدل أن تعكس قدرة على المناورة، أبرزت حجم إعتماد الولايات المتحدة في عملياتها ضد الجماعات المتطرفة في القرن الأفريقي على البنية التحتية العسكرية داخل الإمارات نفسها، الأمر الذي جعل إجراءات أبوظبي تبدو أقرب إلى مجازفة غير محسوبة
إني من منصتي أنظر … حيث أري.. أن المحصلة تكشف عن أزمة ضعف غير مسبوقة في موقع الإمارات الإقليمي والدولي، فبين ضغط أمريكي متصاعد ورؤية سعودية أكثر ثباتًا، تبدو أبوظبي وكأنها تتحرك في مساحة تضيق تدريجيًا، بينما تعاني من فجوة ثقة مع واشنطن وتناقضات لافتة في مقاربتها للعلاقة مع بكين ، ورغم محاولاتها الرد عبر التصعيد المدروس، إلا أن ملامح المرحلة تشير إلى أن الإمارات تدخل فصلًا جديدًا من التحديات يتطلب إعادة صياغة شاملة لاستراتيجيتها الخارجية، قبل أن تُحسم التوازنات في المنطقة بعيدًا عن إرادتها إذن أبوظبي في تصعيدها الآن تتقمص شكل الأسد لكن الصوت … صوت قِطة ! .
















Leave a Reply