25 أكتوبر

كيف تعامل الجيش السوداني مع حرب التكنولوجيا و المسيرات؟ (1)

شاهد عيان أكتوبر 24, 2026
شارك الخبر:
د. محمد عثمان عوض الله
بالتزامن مع حرب السودان. كانت هنالك حروب أخرى منتشرة حول العالم. روسيا و أوكرانيا. أمريكا و ايران. السعودية و الحوثيين. تركيا في ليبيا و سوريا. كما أن هنالك مناطق مرشحة لاندلاع حرب فيها أيصا. خاصة في القرن الأفريقي. هذه الحروب شكلت نوعا مختلفا عن الحروب المعروفة سابقا. رغم أن أحد جانبيها يكون دائما عبارة عن قوة عظمى دوليا أو عظمى اقليما. إلا أن الطرف الاخر يكون دوما ضعيفا بالمقارنة. و مع هذا الفرق الكبير في الامكانات فإن هذه الحروب، لم تحسم بل ظلت مستمرة لسنوات متطاولة. المظهر الرئيسي في اختلاف هذه الحروب، هو التحول الذي حدث في طبيعتها. بما يشمل الأدوات، القوى المشاركة، الأهداف العسكرية و السياسية، التي تتجاوز ساحة القتال. لم تعد العقيدة التقليدية و لا السلاح التقليدي و لا الجندي و لا القيادة التقليدية و لا ساحة المواجهة التقليدية و لا التحالفات بل ولا حتى العدو نفسه كما في السابق بل تغيرت كلها الى أنواع جديدة فيها سباق التكنولوجيا الرخيصة، و الطائرات المسيرة و تعتمد فيها الحروب بالوكالة و تتعدد الأطراف الخارجية. جاءت هذه التحولات لصالح القوى الصغيرة، و دعمت مقدرتها على مواجهة الكبار. لدرجة استطاعت أوكرانيا أن تخترق السيادة الروسية و تضرب موسكو العاصمة بخمسة آلاف طائرة مسيرة في اليوم الواحد. و إستطاع الحوثيون أن يضربوا مطارات الرياض و أبها و جيزان و شركة أرامكو. و استطاعت مليشيا الدعم السريع، ليس فقط أن تضرب المطارات و محطات الكهرباء بل و أن تشكل تهديدا وجوديا لدولة السودان. استطاعت إيران أن تصد صواريخ أمريكيا التقليدية قيمة الواحد مئات الملايين من الدولارات، بطائرة درون محلية الصنع قيمتها لا تتجاوز مئات الدولارات فقط. في هذه الحروب أصبحت مشاركة المرتزقة عنصر أساسي، بل أهم من الجيوش التقليدية. لذلك ازدهرت تجارتها، عبر شركات عابرة للحدود بصورة معلنة و محمية. المنشئات المستهدفة في الحروب الجديدة، لا تكون عسكرية. و أنما بدرجة أساسية المطارات و منشئات الطاقة و المواني بالاضافة الى حياة المواطنين المدنيين. تتميز أيصا بانها حروب بالوكالة. تجمع تحالفات بين دول مختلفة توجد فيها دول عظمي عالميا و دولة مركزية اقليميا و دول جوار لتسهيل العمل اللوجستي. كما توجد مليشيات محلية لارتكاب الجرائم و مرتزقة عالمية كفنيين و تقيين و سرديات و حملات دعاية أعلامية مكثفة يقودها عملاء محليون. يوجد أيضا في هذه الحروب تجاوز كامل للمؤسسات الأممية و تعدي على السيادة الوطنية و انتهاك القوانين الانسانية. السلاح الاساسي المستخدم فيها هو الطائرات المسيرة. كما تستخدم الجريمة كسلاح للمساومة بين الحل السياسي المفروض لمصلحة المعتدي و بين استمرار الجريمة على الضحايا. يميزها أيضا أن ارتكاب الجريمة يستخدم لتخويف الضحايا و لصالح فرض أجندة المعتدي.
أما الحالة في السودان. رغم أن اندلاع الحرب كان متوقعا. إلا أنه لم يكن من المتوقع أن يكون السودان مسرح اختبار لطريقة الحروب العالمية الجديدة الموصوفة أعلاه. ولكن فجأة وجد الجيش السوداني نفسه و من اللحظة الأولى، منغمسا في حرب مفروضة عليه وكن نوع لم يكن يعرف خباياها و غير مستعد لها.
السؤال الأساسي الذي نطرحة في هذا المقال، هو كيف تعامل الجيش السوداني مع حرب التكنولوجيا و المسيرات؟ و هل إستطاع الجيش السوداني إعادة بناء قدراته القتالية و التكييف مع طبيعة القتال الجديدة؟ هل انحصرت التحولات التي أحدثها الجيش في شراء الطائرات المسيرة و استخدامها؟ أم إستطاع بناء منظومة متكاملة تشمل الاستطلاع و الاتصال و التشويش الالكتروني و التفوق و السيطرة الجوية. و المقدرة على المتابعة و التقييم المستمر و التطوير المستمر و مواكبة سباق التكنولوجيا و من ثم القدرة على السيطرة و التقدم؟
كانت فكرة الشعب السوداني عن المسيرات أنها مجرد لعبات أو وسائل بسيطة تستخدم كحاملات كاميرات عند تصوير المناسبات من أعلى. و فجأة وجدوا أنهم محتاجون لتوفيرها و استخدامها كسلاح أساسي لحماية أنفسهم من ناحية و للهجوم على عدوهم من ناحية أخرى. فدخلوا في سباق تكنلوجي للحصول على اصدارات متطورة متتالية من الطائرات المسيرة. تتنافس من حيث مدى التحليق الرأسي و الافقي و القدرة على التخفي من الرادارات و عدد رؤوس الصواريخ و القنابل التي تحملها و دقة اصابة الهدف. في فترة وجيزة إستطاع الجيش السوداني تحقيق عدد من النقاط. منها أولا تطوير ذهنية القيادة و السيطرة لاستيعاب التطورات و تغيير الخطط و إعداد الفرق الفنية و إصدار القرارات و ابتكار الخطط. بل حتى الرأي العام صار يواكب الحفر بالابرة و استراتيجية الخداع الاستراتيجي و استراتيجية الاستنزاف و العمل المتقدم و العمل المشترك و مسيرات البايرقدار و المسيرات الاستراتيجية و الانتحارية. ثانيا الحصول على سلاح الطيران المسير و من ثم إدماجه مع الأسلحة الأخرى كسلاح رئيسي يقود المعارك و ينسق مع مكونات الجيش الأخرى. سرعة الاستجابة أثناء الحرب نفسها، لمتطلبات المواكبة التقنية و التدريب و الاستخدام الفعلي على مدى واسع من جبهات القتال و من ثم تحقيق النتائج المرجوة. أيضا عقد تحالفات اقليمية معقدة و متقاطعة لكنها موثوقة و مخلصة. مما مكن الجيش من التفوق في مجال السيطرة الجوية و التقدم على الأرض. من أهم المؤشرات و الأدلة تعامل الدفاعات الارضية للجيش مع مسيرات المليشيا و اسقاط مسيراتها الاستراتيجية المختلفة و أحداث اختراق و ضربات جوية نوعية لمراكزها. مما ممن الجيش تحقيق نتائج على الصعيد السياسي و الاجتماعي منها إعادة الثقة و الدفاع عن السيادة الوطنية و استعادة الحياة و تحرير الاراضي و عودة النازحين. و هذا ما سنفصل فيه في الحلقة الثانية من هذا المقال.

مواضيع ذات صلة