في لحظة تاريخية فارقة، تتكشف الأقنعة وتسقط الشعارات الزائفة، لتظهر حقيقة من ظنّوا أنفسهم رجال دولة وهم في الواقع أسرى المصالح الآنية والأنانية الضيقة. قوى الحرية والتغيير التي رفعت شعار الثورة والديمقراطية، أظهرت وجهها الحقيقي حين وضعت الوطن في مواجهة مفتوحة مع الانقسامات، وأصبح الانتماء إليها معياراً زائفاً للولاء الوطني، بينما كل من يختلف معها يُرمى بتهمة “الكوزنة”، حتى أيقونة ثورة ديسمبر آلاء صلاح لم تسلم من هذا السلاح الرخيص.
في الوقت الذي تُغتصب فيه حرائر السودان وتُرتكب الجرائم بحق المدنيين على يد مليشيات الدعم السريع، ويُتهم داعموها الإقليميون وعلى رأسهم حكومة أبوظبي بتمويل وتسليح هذه المليشيات، يطل علينا رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك من لندن ليقول إن الإمارات تواجه تيار الإسلام السياسي ولذلك تتعرض لحملات استهداف. هذا التصريح يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة مشروعة: هل مواجهة الإسلام السياسي تعني قتل السودانيين؟ وهل الشعب السوداني كله يُختزل في تيار سياسي واحد حتى يُبرر استهدافه؟.
إن ما قاله حمدوك ليس مجرد رأي سياسي، بل هو إقرار ضمني بأن الدم السوداني أصبح ورقة في صراع إقليمي، وأن القوى التي تدّعي حماية الديمقراطية تساوم على حياة الناس وتغض الطرف عن الجرائم. هذا الموقف يفضح حقيقة أن قحت لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً خالصاً، بل كانت أداة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، وأنها وضعت مصالح الخارج فوق مصلحة الوطن.
لقد أثبتت التجربة أن قحت ليست ضد الإسلاميين فحسب، بل ضد الوطن نفسه، فهي لم تتردد في شيطنة كل من يعارضها، ولم تتورع عن استخدام لغة الإقصاء والتخوين، حتى صار الانتماء للوطن مرهوناً بالانتماء إليها. لكن الوطن أكبر من أي تيار سياسي، وأكبر من أي تحالف هش، والوطن خط أحمر لا يُساوم عليه ولا يُختزل في شعارات أو مصالح ضيقة.
إن السودان اليوم يواجه أخطر تحدياته، ليس فقط بسبب الحرب والدمار، بل بسبب ضياع البوصلة الوطنية. المطلوب ليس مزيداً من الانقسام ولا مزيداً من التبعية للخارج، بل استعادة روح الثورة الحقيقية التي خرجت من أجل الحرية والسلام والعدالة كما يدعي، لا من أجل أن تتحول إلى أداة في يد قوى تبحث عن مصالحها الخاصة.
الوطن خط أحمر، والدم السوداني ليس مادة للمساومة ولا ورقة في صراع إقليمي. من أراد أن يقف مع السودان فعليه أن يقف مع شعبه، لا أن يبرر قتله بحجج واهية. لقد انكشف المستور، وسقطت الأقنعة، وحان الوقت ليقول الشعب كلمته: السودان ليس تابعاً لأحد، ولا يُختزل في تيار، ولا يُباع في سوق المصالح.










Leave a Reply