أبو ظبي بين الإنكار المعقول والإنكار الفاضح: كيف يفضح التخفّي تورط الإمارات؟
في محاولتها الدائمة لنفي التورط المباشر في الصراع السوداني، تسير الإمارات على خيط رفيع بين ما يُعرف بـ”الإنكار المعقول” و”الإنكار المطلق”، لكن سلوكها الأخير ـ المتمثل في إبعاد جميع الأنشطة السياسية العلنية للأطراف السودانية الموالية لها عن أراضيها .
يكشف عن مأزق سياسي وأخلاقي لا تخطئه العين. فحين تتحول محاولات التخفّي إلى غياب تام، لا يعود الإنكار ذكياً، بل يصبح إقراراً ضمنياً بأن ما يجري يجري في الظلام لأنه لا يحتمل الضوء.
إبراهيم عثمان
“الإنكار المطلق” يلغي أي شرعية، ولا يخدم الموقف التفاوضي، ويحمل اعترافاً كاملاً بعدم الشرعية، أما “الإنكار المعقول” فهو وسيلة لتجنب حرج الاعتراف، وفي ذات الوقت تقوية الموقف التفاوضي, مع الإيحاء بشرعية جزئية. ويُعرَّف بأنه: (القدرة على نفي المشاركة في عمل ما بشكل يبدو معقولاً أمام الرأي العام أو الجهات الدولية، نتيجة لغياب الأدلة المباشرة أو وجود ترتيبات تغطي على الفاعل الحقيقي.).
مع وجود نشاط إماراتي علني ظاهر، إلا أن حساسية وضع الإمارات، ورغبتها في تجنب الجمع بين الاستفزاز العسكري، والاستفزاز السياسي، وتسليمها الضمني بأن كل نشاطها المتعلق بالسودان غير مشروع، كل هذا جعلها تبعد الأنشطة السياسية (العلنية) للأطراف السودانية المُحتضَنة بواسطتها من أراضيها، فلم تعد “أبو ظبي” مركزاً للأنشطة السياسية العلنية، ولا حتى أخذت نصيباً “ضئيلاً” منها:
اللقاء العلني الأول بين الدعم السريع و”تقدم” مجتمعة، والاتفاق على تشكيل الإدارات المدنية “إعلان أديس أبابا”: حدث في أديس أبابا، وليس أبو ظبي.
الاتفاق الثاني مع جزء من “تقدم”، وعبد العزيز الحلو: “تحالف” تأسيس” وميثاقه، ودستور دولته، حدث، برعاية إماراتية غير معلنة بالكامل، في نيروبي، وليس أبو ظبي.
المؤتمرات الصحفية لقادة التمرد حميدتي وعبد الرحيم: تحدث خارج الإمارات.
الاستقبالات الرئاسية (العلنية) لحميدتي: تحدث في بعض دول إفريقيا، ولا تشمل الإمارات.
الاستقبالات الرئاسية (العلنية) لجماعة “تقدم”: لم تشمل الإمارات حتى الآن.
ورش “تقدم” ومؤتمراتها الصحفية وكل أنشطتها (العلنية) الكبيرة: لم تشمل الإمارات حتى الآن رغم تبادل الغزل الصريح.
دفاع حمدوك عن الإمارات يحدث أثناء جولاته خارجها، ولا يحدث أثناء إقامته فيها.
البحث عن الموضوع يكشف عن تحليلات كثيرة لمفكرين وسياسيين حول حالات يفشل فيها “الإنكار المقبول”, ويصبح ضد مصلحة الجهة التي تستخدمه*:
نظرية “الإفراط في التخفي”: جيمس وير (الإفراط في السرية أو التجنب يُولد شكوكاً أكبر مما يُخفيها.)
“مفارقة الإنكار” ــ غولدمان: (الإنكار المعقول يعمل فقط إذا كان جزءاً من استراتيجية متوازنة، أي تظهر بعض الأدلة المضللة، لا كلها). و(عندما يكون الإنكار مطلقاً، يصبح غير معقول، لأن الغياب الكامل للدليل، مع وجود الأثر، هو نفسه دليل).
“الإحراج الاستباقي”: روبرت جيرفيس: (بعض الدول تبالغ في تجنب المواقف الحرجة لدرجة أنها تخلق إحراجاً أكبر من المواجهة نفسها).
“نظرية الإشارات المتناقضة”– توماس شيلينج: (التجنب الكامل للإشارات العلنية يضعف الموقف التفاوضي، لأن الخصوم يعتبرون ذلك ضعفاً أو خداعاً واضحاً).
“مفارقة الانكشاف” ـ مايكل هيرشمان: (عندما تبالغ الدولة في بناء مسافة بين سياساتها المعلنة وأفعالها الحقيقية، تتحول المسافة نفسها إلى دليل ظرفي على التورط.)(كلما حاول الفاعل إخفاء دوره، كلما زاد فضول الإعلام والاستخبارات والمنظمات المستقلة لكشفه، ومع توفر أي معلومة، يصبح الإنكار نفسه موضع شك.)
جوليان أسانج:(حين يكون أثر الدولة على الأحداث كبيراً جداً، فإن غياب “بصمتها العلنية” يصبح أكثر إثارة للريبة من وجودها.)
من كل هذا يتضح أن:
الإنكار المعقول يعتمد على إيجاد توازن بين:التخفي: لتجنب المسؤولية المباشرة. والوجود الضمني: لإثبات النفوذ دون الاعتراف الصريح. أي يحتاج إلى “مسرح خلفي”، مثل أنشطة سياسية محدودة، ليبقى منطقياً وفاعلاً، وخادماً للتفاوض، ومثبتاً لقناعة أصحابه بحد أدنى من الشرعية.
لكن عندما يصبح التجنب مبالغاً فيه، مثل عدم استضافة أي نشاط سياسي (علني) كبير أو صغير، رغم العلاقات الوثيقة، فإنه: يكشف عن ضعف الموقف، كأن الإمارات تسلم بعدم نزاهة موقفها، وتظهر حرجها السياسي، بدلاً من إظهار الثقة في سلامة موقفها ووجاهة تحكمها في الملف وكأن “تقدم” بجولاتها المكوكية التي لا تتضمن الإمارات تسلم بالحرج وتعمل لتجنبه.
الإمارات ــ بإبعادها كل ما هو “سياسي علني” عن أبوظبي ــ خلقت “إنكاراً مطلقاً” بدل “الإنكار المعقول”. بهذا يتحول الإنكار إلى إعلان سلبي غير مباشر عن التورط. وعن أن ما تقوم به لا يتوفر له أدنى قدر من المشروعية
